١٨٤ تفسير روح المعاني كما في قولهم مادامت السماء ، وما دار الفلك بناءاً على ظن أن عدم انتهاء على المؤمنين وذلة الكافرين إلى ذلك اليوم موجب لهذا الجمل - وليس بذلك ) ثم إلى مرجعكم ) أى مصير كم بعد يوم القيامة ورجوعكم، والضمير لعيسى عليه السلام والطائفتين ، وفيه تغليب على الأظهر ، و ( ثم ) للتراخى ؛ وتقديم الظرف للقصر المفيد لتأكيد الوعد والوعيد ، ويحتمل أن يكون الضمير لمن اتبع وكفر فقط ، وفيه التفات للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء * فاحكم بينكم أى فأقضى بينكم إثر رجوعكم إلى ومصيركم بين يدى ( فيما كنتم فيه تختلفُونَ ٥٥ ) من أمور الدين ، أو من أمر عيسى عليه السلام ، والظرف متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأَعذبهم عذاباً شديداً ) تفسير للحكم المدلول عليه بقوله سبحانه : ( فأحكم ) وتفصيل لة على سبيل التقسيم بعد الجمع ، وإلى ذلك ذهب كثير من المحققين ، واعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة لا محالة ، فكيف يصح تفسيره بالعذاب المقيد بقوله تعالى : ( في الدنيا والآخرة ؟ وأجيب بوجوه الأول أن المقصود التأييد وعدم الانقطاع من غير نظر إلى الدنيا والآخرة ، الثاني أن المراد بالدنيا والآخرة مفهومهما اللغوى أى الاول والآخر ، ويكون ذلك عبارة عن الدوام وهذا أبعد من الأول جداً . الثالث ماذكر صاحب الكشف من أن المرجع أعم من الدنيوى والاخروى ، وقوله سبحانه : ( إلى يوم القيامة ) غاية الفوقية لاغاية الجعل ، والرجوع متراخ عن الجعل وهو غير محدود على وزان قولك : سأعيرك سكنى هذا البيت إلى شهر ثم أخلع عليك بثوب من شأنه كذا و كذا فإنه يلزم تأخر الخلع عن الاعارة لا الخلع، وعلى هذا توفية الأجر لقسم الدارين ، ولا يخفى أن فى لفظ ( كنتم ) فى قوله جل وعلا : ( فيما كنتم فيه تختلفون ) بعض نبوة عن هذا المعنى ، وأن المعنى - أحكم بينكم فى الآخرة فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا - . الرابع أن العذاب فى الدنيا هو الفوقية عليهم ، والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة قال في الكشف : وفيه تقابل حسن وإن هذه الفوقية مقدمة عذاب الآخرة ومؤكدته ، وإدماج أنها فوقية عدل لا تسلط وجود ، ولا يخفى أنه بعيد من اللفظ جداً إذ معنى أعذبه في الدنيا والا آخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال : إن اتخاذ الكل لا يلزم أن يكون باتخاذ كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل به عذاب الآخرة وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة . الخامس أن في الدنيا و الآخرة متعلق - بشديد - تشديداً لامر الشدة وليس بشئ الا يخفى، والاولى من هذا كله ماذكره بعض المحققين أن يحمل معنى ( ثم ) على التراخي الرتبي والترقى من كلام إلى آخر لا على التراخي في الزمان فحينئذ لا يلزم أن يكون رجوعهم إلى الله تعالى متأخراً عن الجعل في الزمان سواء كان قوله جل شأنه : ( إلى يوم القيامة ) غاية للجعل أو الفوقية فلا محذور ، ثم إن المراد بالعذاب في الدنيا إذلالهم بالقتل والأسر والسي وأخذ الجزية ونحو ذلك ، ومن لم يفعل معه شئ من وجوه الإذلال فهو على وجل إذ يعلم أن الاسلام يطلبه وكفى بذلك عذابا ، وبالعذاب في الآخرة عقاب الأبد فى النار ( وَمَا لَهُم من تصرينَ ٥٦ ) أى أعوان يدفعون عنهم عذاب الله ، وصيغة الجمع كاقال مولا نا مفتى الروم - لمقابلة ضمير الجمع أى ليس لكل واحد منهم ناضر واحد .
صفحة:روح المعاني03.pdf/184
المظهر