مبحث في قوله تعالى : ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) 181 إن الله يرزقُ مَن يَشَاء من عباده أن يرزقه ( بغير حساب (٣٧) تقدم معناه ، والجملة تعليل لكونه من عند الله، والظاهر أنها من كلام مريم فحينئذ تكون في محل النصب داخلة تحت القول، وقال الطبرى: إنها ليست من كلامها بل هي مستأنفة من كلامه تعالى إخباراً لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ، والاول أولى ، وقد أخرج أبو يعلى عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً فأتى فاطمة فقال : يا بنية هل عندك شئ آكله فاني جائع ؟ فقالت : لا والله فلما خرج من عندها بعثت اليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت: لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على نفسى ومن عندى وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجع اليها فقالت له : بي أنت وأمى قد أتى الله تعالى بشئ قد خبأته لك قال : هلى يابنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبز أو لحماً فلما نظرت اليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله تعالى فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي فلما رآه حمد الله تعالى، وقال: من أين لك هذا يا بنية ؟ قالت : يا أبتى هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب محمد الله سبحانه ثم قال : الحمد لله الذى جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فانها كانت إذا رزقها الله تعالى رزقاً فسئلت عنه قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم جمع عليا والحسن والحسين وجمع أهل بيته حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضى الله تعالى عنها على جيرانها » هذا ومن باب الاشارة فى الآيات ) ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) نهى عن موالاة المؤمنين الكافرين لعدم المناسبة بينهم فى الحقيقة ولفرق بين الظلمة والنور والظل والحرور ، والولاية و متى لم تحصل كانت الولاية عن محض رياء أو نفاق والله تعالى لا يحب المرائين ولا المنافقين تقتضى المناسبة . و من هنا نهى أهل الله تعالى المريدين عن موالاة المنكرين لأن ظلمة الانكار - والعياذ بالله تعالى - تحاكي ظلمة الكفر وربما تراكمت فسدت طريق الايمان ، ومن يفعل ذلك فليس من ولاية الله تعالى في شئ معتد به إذ ليس فيه نورية صافية يناسب بها الحضرة الالهية ) إلا أن تتقوا منهم تقاة ) فحينئذ تجوز الموالاة ظاهراً ، وهذا بالنسبة للضعفاء وأما من قوى يقينه فلا يخشى إلا الله تعالى ( ويحذركم الله نفسه ) أى يدعوكم إلى التوحيد العياني لئلا يكون خوفكم من غيره ( و إلى الله المصير ) فلا تحذروا إلا إياه، والاكثرون على أن هذا خطاب للخواص العارفين إذ لا يحذر نفسه من لا يعرفه وقد حذر من دونهم بقوله سبحانه : (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) قال إبراهيم الخواص : وعلامة الخوف فى القلب دوام المراقبة وعلامة المراقبة التفقد للاحوال النازلة ( قل إن تخفوا ما في صدوركم) من الموالاة (أو تبدوه يعلمه الله لأنه مع كل نفس و خطرة ( ويعلم ما فى ) سموات الارواح وأرض الأجسام ( والله على كل شئ قدير ( فلا يشغله شأن عن شأن ولا يقيده مظهر عن مظهر ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ( لأن كل ما يعمله الانسان أو يقوله ينتقش منه أثر في نفسه ويسطر في صحائف النفوس السماوية إلا أنه لاشتغاله بالشواغل الحسية والادراكات الوهمية والخيالية لا يرى تلك النقوش ولا يبصر هاتيك السطور فاذا تجرد عن عالم الكثافة بصر ورأى وشاهد ما به قلم الاستعداد جرى فاذا وجد سوءاً تود نفسه وتتمنى ( لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ) لتعذيبها به ( ويحذركم الله نفسه كرده تأكيداً لثلا يعملوا ما يستحقون به عقابه ( والله روف بالعباد ) أى بسائرهم فلهذا حذرهم ،
صفحة:روح المعاني03.pdf/141
المظهر