مبحث في ( وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) الآية ١٣٧ تغاير الاسم والمسمى ، وقد تقدم البحث فيه ) وإنى أعيدها بك } عطف على (إلى سمينها ) وأتى هنا بخير إن فعلا مضارعاً دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها وهذا بخلاف ( وضعتها ، وسميتها ) حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما وقدم المعاذ به على المعطوف الآتى اهتماما به ، ومعنى ( أعيذها بك ) أمنعها وأجيرها يحفظك ، وأصل العوذ يا قال الرغب : الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال : عاذ فلان بفلان إذا استجار ،، ومنه أخذت العوذة وهى التميمة والرقية ؛ وقرأ أبو جعفر - ونافع - إنى - بفتح ياء المتكلم وكذا في سائر به المواضع التي بعد الياء ألف مضمومة إلا في موضعين ( بعهدى أوف ) و (آتونى أفرغ ) ( وذريتها ) عطف على الضمير المنصوب ، وفى التنصيص على إعادتها وإعادة ذريتها رمز إلى طلب بقائها حية حتى تكبر ، وطلب 1-0 # للتناسل منها هذا إذا أريد بالاعادة ) من الشيطن الرجيم ( أى المطرود ، وأصل الرجم الرمي بالحجارة الحفظ من إغوائه الموقع في الخطايا لانه إنما يكون بعد البلوغ إذ لا تكليف قبله ، وأما إذا أريد منها الحفظ طلب الامرين من الامر الاخير ، ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبى هريرة رضی منه مطلقاً فيفهم . الله تعالى عنه قال : « قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه صارخاً الامريم وابنها ، وفى بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينها حجاب وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب ، وفي رواية إسحق بن بشر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بإصبعه ولهذا يستهل إلا ما كان من مريم وابنها فإنه لم يصل إبليس اليهما ، وطعن القاضي عبد الجبار باصبع فكره في هذه الاخبار بأنها خبر و واحد على خلاف الدليل ، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز ولانه لو تمكن من هذا الفعل الجاز أن يهلك الصالحين، وأيضا لم خص عيسى وأمه دون سائر الانبياء ، وأنه لو وجد المس أو النخس لدام أثره وليس فليس ، والزمخشرى زعم أن المعنى على تقدير الصحة أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه الامريم وابنها فانهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى : الأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي : لما تؤذن الدنيا به من صروفها - يكون بكاء الطفل ساعة يولد - وأما حقيقة النحس والمس ما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلات الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه انتهى . ولا يخفى أن الأخبار فى هذا الباب كثيرة وأكثرها مدون في الصحاح والأمر لا امتناع فيه ، وقد أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام فليتاق بالقبول والتخييل الذى ركن اليه الزمخشرى ليس بشئ لأن المس باليد ربما يصلح لذلك أما الاستهلال صارخاً فلا على أن أكثر الروايات لا يجرى فيها مثل ذلك، وقوله: لامتلات الدنيا عياطاً قلنا : هي مليئة فما من مولود إلا يصرخ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الاوقات كيف وفى الصحيح « لولا أن الملائكة يحفظونكم لاحتو شتكم الشياطين ما يحتوش الذباب العسل»؟ وفى رواية لاختطفتكم الجن، وفسر قوله تعالى له معقبات من بين يديه) في أحد الوجوه به، وبهذا يندفع أيضا قول القاضي : (١٨٢ - ج ٣ - تفسير روح المعاني )
صفحة:روح المعاني03.pdf/137
المظهر