انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني03.pdf/129

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
١٢٩

مبحث في قوله تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله ) الآية فالجملة على الأول تذييل . وعلى الثانى حال ، وإلى الاول يشير كلام الحسن رضى الله تعالى عنه ، و - أل في العباد للاستغراق وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة وإذهاب الغفلة بتوجه الذهن إلى هذا الحكم أتم توجه * قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى ) ذهب عامة المتكلمين إلى أن المحبة نوع من الارادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته فهى هنا بمعنى إرادة العبد اختصاصه تعالى بالعبادة وذلك إما من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو من باب الاستعارة التبعية بأن شبه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت معه إلا إليه أو من باب مجاز النقص أى إن كنتم تحبون طاعة الله تعالى أو ثوابه فاتبعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه كذا قبل ، وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السنة والجماعة فانهم قالوا المحبة تتعلق حقيقة بذات الله تعالى و ينبغى للكامل أن يحب الله سبحانه لذاته وأما محبة ثوابه فدرجة نازلة ، قال الغزالي عليه الرحمة في الاحياء : الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشئ الملذ فان تأكد اكد ذلك الميل وقوى يسمى يسمى عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فاذا قوى سمى مقتاً ، ولا يظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى يقال: إنه سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل بالخيال فلا يحب لانه صلى الله تعالى عليه وسلم سمى - قرة عين - وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ بل حس سادس مظنته القاب والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعانى المدركة بالعقل أعظم جمال الصور الظاهرة للابصار فتكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الامور الشريفة الالهية التي تجل أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح اليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى مافى إدراكه لذة فلا ينكر إذاً حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجز إدراكه الحواس أصلا ، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الوراق : من تعصى الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع الصلاة والقول : بأن المحبة تقتضى الجنسية بين المحب والمحبوب - فلا يمكن أن تتعلق بالله تعالى - ساقط من القول لأنها قد تتعلق بالاعراض بلا شبهة ولا جنسية بين العرض والجوهر ( يجب كم الله ) جواب الامر وهو رأى الخليل . وأكثر المتأخرين على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر أى إن تبعوني يحيكم أي يقربكم - رواه ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة ، وقيل : يرض عنكم وعبر عن ذلك بالمحبة على طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة ، وجعل بعضهم نسبة المحبة لله تعالى من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى * ويغفر لكم ذنوبكم ) أى يتجاوز لكم عنها ( والله غفور رحيم (٣١) أى لمن تحبب اليه بطاعته وتقرب اليه باتباع نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ، والجملة تذييل مقرر لما سبق مع زيادة وعد الرحمة ، ووضع الاسم الجليل مع الاضمار لما مر و للاشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة والرحمة ، وقرئ - تحبونى . ويحبكم . ويحييكم - من حبه يحبه ، ومنه قوله : أحب أبا ثروان من حب - ثمره وأعلم أن الرفق بالجار أرفق ووالله لولا تمره - ماحببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق (١٧٤ - ج ٣ - تفسير روح المعاني ) -