- ٣٦ - عن حقاً إن الأمم التي رسخت روحها كثيراً تأتى بأشد الثورات في الغالب، فهي لعجزها النشوء التدريجي تضطر الى ملامعة تقلبات البيئة بعنف عندما تصبح هذه الملاءمة أمر ضرورياً . . ولا تستقر روح الأمة إلا ببطوء عظيم ، فما التاريخ إلا أنباء مجهوداتها الكبيرة في سبيل توطيد روحها ، وتظل هذه الأمم مذبذبة لا رابطة بين أجزائها ما دامت غير ناجحة في ذلك ، وقد سعت فرنسة ، بعد أن أغار البرابرة على الدولة الرومانية في أواخر عهدها ، قرونا كثيرة لتنال روحاً قومية . نعم إنها اكتسبتها في آخر الأمر ، ولكن رسوخها لم يلبث أن صار شديداً ، ولو اتصفت روحها بقليل من المرونة لتطور نظامها الملكي القديم بالتدريج، ولتخلصت من فورتها الكبرى ومن نتائجها ومن سعي شاق لتجديد روحها القومية . تثبت لنا الملاحظات السابقة شأن العنصر في تكوين الانقلابات وتوضح لنا لماذا تأتى الثورة الواحدة بنتائج تختلف باختلاف الأمم كما توضح لنا سبب اقبال بعض الأمم بحماسة على مبادىء الثورة الفرنسية ومقاومة الأمم الأخرى لها . لا ريب في أن انكلترة المحافظة عانت أمر ثورتين وقضت على أحد ملوكها ، ولكن مزاجها النفسى كان ثابتاً ثباتاً كافياً لحفظ تراث الماضى ومرناً مرونة كافية لنشوء هذا المزاج حسبما تقتضيه الضرورة ، وهى ، على عكس رجال الثورة الفرنسية ، لم تفكر قط في تقويض تراث الأجداد لتقيم مجتمعاً جديداً باسم العقل . قال البير سورل : . بينما كان الفرنسى يحتقر حكومته ويمقت اكليروسه ويحقد على أشراف أمته و يتمرد . رد على قوانين بلاده كان الانكليزى يفتخر بدينه و بدستوره وبأكابر أمته وبمجلس أعيانه ، فكان كأنه يحكم أوربة ويستخف بها معتصما بأبراج ذلك الحصن المنيع ويتجلى لنا أيضاً شأن العنصر فى مصير الأمم عند البحث في تاريخ الثورات الاميركية الأسبانية الدائمة ، فالأمم الأميركية الأسبانية مولدة ، أي مؤلفة من أناس انحلت أخلاقهم بتأثير الوراثة المتباينة انحلالا حرمهم روحاً قومية ثابتة وجعل حكمهم متعذراً . ومن يرد أن يطلع على التباين بين استعداد الأمم السياسي الناشيء عن العنصر فليبحث عن أمة واحدة حكمها جنسان . ولم يكن ذلك نادراً فى التاريخ ، فقد تجلى حديثاً فى القطرين كوبا والفلبين اللذين اختلاف
صفحة:روح الثورات والثورة الفرنسية (1934) - غوستاف لوبون.pdf/38
المظهر