المال، ووعدوهم بتحصين الحدود، وقدموا لهم ما يملكون من وسائل الحضارة مما يُعينُهم على العيش الكريم، فكانت هذه البعثة الرسمية التي وصف مهمتها ابن فضلان في رسالته، ورسم المراحل التي اجتازتها، والعقبات التي مرّت بها. فهي وثيقة سياسية تاريخية هامة، عُني بها الغربيّون من جانبهم وبقي على العرب أن يُعنوا بها، وهم أصحاب الفضل واليد، منذ عشرة قرون كان الغرب قبلها يتخبط في الجهل والظلم، وهذا سبب من الأسباب التي دفعتنا إلى العناية بها وتحقيقها.
طريقتنا في التحقيق
لهذا نهضنا بالمهمة منذ سنة ١٩٥١، نزولاً على إشارة الرئيس المرحوم العلامة محمد كرد علي، واتخذنا الصورة الشمسية للرسالة أصلاً للتحقيق. فنقلناها ورحنا نقرأ عباراتها لنفهم منها ما يقيم ألفاظها، فإذا بها قد كتبت ييد ناسخ عاش في القرن الحادي عشر للهجرة، متأخر، لم يفهم الرسالة ولم يفقه مراميها، فتصحفت عليه وجوه القراءة فرسمها كما استطاع، ولم يكن من السهل عليه أن يفهم كل ما فيها ففيها من الصعوبات ما يشق عليه تذليله. ويبدو أنه كان ضعيفاً في العربية، لا يعرف قواعد النحو البسيطة، مثل قاعدة الأعداد، أو المفعول به أو الممنوع من الصرف[١]، وذلك من اليسير ردّه وتصحيحه على الناشر. والأمثلة عليه كثيرة لا نريد أن نثقل بها هذه المقدمة، ففي حواشينا أدلة متوفرة كافية للبرهان على
- ↑ أما عن طريقة الناسخ في رسم الحروف والكلمات فقد عرضنا صفحات بالتصوير كنماذج لخطه جعلناهــا بعد هذه المقدمة.