الدبلوماسيين لعصرنا في تقريره، فنحن نرى في خلطهم اليوم في فهم الشعوب وعاداتها وتقاليدها ما يجعل ابن فضلان سيداً من سادة الساسة في عصره وغير عصره.
وهذا دليل على أن الرجل نجح في مهمته ورسالته وكان حقاً عند حسن ظن المسئولين به عندما اختاروه لهذه الوفادة الشاقة، فلا شك في أنهم كانوا ينظرون إليه على أنه شخصية ممتازة. فقد وقع عليه اختيار الخليفة أو اختيار الوزير حامد ابن العباس لرئاسة هذا الوفد، وكلفاه بتسليم رسالة لكل منهما يحملها إلى ملك أوربي يعرفان أتم المعرفة أن الصلات بمملكته حين تتوثق ستزيد المسلمين قوة ودعاية ورفعة. وليس من اليسير أن يختار الخليفة أو وزيره رجلاً لا يكون محنكاً أو مجرباً.
ويبدو أن الأوائل قبلنا جهلوا عنه كل شيء، فنقل عنه الجغرافيون كما قلنا ولم يذكروا اسمه، ولم يعرضوا له في مصادرهم التي أخذوا منها. فقد قرأ الرسالة منذ القرن الرابع وما بعده الأصطخري، وابن رسته، والمسعودي، ولكنهم لم يثبتوا في كتبهم أنهم نقلوا منه، فاختلط عندهم ماجمعوه من غيره بما نقلوه عنه. وفي القرن السابع كان ياقوت أول من أشار إلى فضله، وأختار فصولاً من الرسالة جعلها في كتابه «معجم البلدان»، وهي التي عرفت به في العصر الحديث وسيّرت ذكره.