البحر، يحتزّ منها الواحد ما يكفيه ويكفي عياله، ثم يردّها إلى البحر تتقلّب، فإذا أخذ فوق حاجته اشتكى بطنه.
وما بسطنا هذا لننقد ابن فضلان أو نزري بقدره فلعلّه كان يتوهم حقاً هذا الذي يصف، أو لعله خاف فتخيل الذي قال، فليس من هيّن الأمور أن يبلغ رجل في عصره ما بلغ إليه من رحلة بعيدة يصل فيها إلى بلاد البلغار والروس، وأن يرى العجائب التي رأى على وسائط ذلك الزمان، ومصاعب المواصلات. وكثير من الرحالة والجغرافيين رووا مثلما روى وأوغلوا في الأساطير، حتى لقد دخل ذلك في كتب التاريخ عندنا، وروى المؤرخون مثله على سعة عقولهم وأحلامهم. ولكننا أردنا أن نشير إلى ما كان من ثقافة ابن فضلان وتأثره بالقصص القديمة السائرة في عصره والتواريخ المنشورة المترجمة عن الفرس، مما أدخله اليهود وغير اليهود في عقول الناس لذلك الزمان. ولأمر ما كان يدور على الألسنة في ذلك العصر خطر الدخول إلى تلك البلاد، حتى قال ابن حوقل وهو في القرن نفسه عن بلاد الروس: «فلم أسمع أحداً يذكر أنه دخلها مع الغرباء لأنهم يقتلون كل من وطىء أرضهم من الغرباء، وانما ينحدرون في الماء يتجرون ولا يخبرون بشيء من أمرهم ومتاجرهم. ولا يتركون أحداً يصحبهم».
وابن فضلان دخل البلغار. ورأى الروس يتجرون في تلك البلاد وعاد منها بوصف لرحلته، أشبه ما يكون بالتقارير الرسمية التي يكتبها السفراء اليوم عن بلاد عجيبة غريبة، فوفق في ذلك أشد التوفيق، بل وفق أكثر من بعض السفراء