انتقل إلى المحتوى

صفحة:رسالة ابن فضلان في وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة سنة 309هـ 921م (ت. سامي الدهان) - أحمد بن فضلان.pdf/34

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تم التّحقّق من هذه الصفحة.
مقدمة المحقق – وصف الرحلة
٣٣

وفصّل الأَمر في الموت عند الروس تفصيلاً بارعاً، فقد وقف على ذلك بنفسه وشاهده بعينه، فقص علينا ما رأى من موت روسيّ جليل. فقال إنهم جعلوه في قبر وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه. ثم سألوا جواريه مَن تموت معه، فإذا كان يوم الحرق شربت الجارية وَغنَّت، وأحضرت إلى سفينة معدّة لذلك الأمر. وأخرجوا الميت من قبره وجعلوا معه نبيذاً وفاكهة وطنبوراً، وألبسوه أجملَ الثياب الفاخرة وأدخلوه القبَّة، وطرحوا بين يديه المآكل، ثم دفعوا الجارية بعد أن تودع صواحبها، فخنقوها وقطعوا أضلاعها، ثم أحرقوا الخشب تحت السفينة، حتى أصبحت رماداً تذروه الرياح، وغرسوا في موضعها خشبة عليها اسم الميت واسم ملك الروس.

ولا نستطيع أن نسرف في رواية ما جاء عند ابن فضلان وما قصّ من مشاهداته في بلاد الروس، فالرسالة بين الأيدي تفصّل الدقائق وتوضّح الحركات في شكل دقيق لا نراه في مصدر عربيّ أو غربيّ غيرها. ويستطيع المصور أن يتخذ من التفصيلات مادة للوحة الحرق عند الروس في ذلك الزمان، لدقتها الشديدة ووضوحها البيّن. وقد استقى فنان روسي اسمه (هنري سميرادسكي[١]) من هذه الرسالة لوحة للدفن، تزيّن اليوم أزهى متاحف الروس في لننغراد رفعت اسم ابن فضلان إلى مراتب الخلود والشهرة، وأكسبت رسالته سمعة عالمية.

ونحن لا نريد بهذا أن نقول إن ابن فضلان وحده ذكر احراق الموتى عند الروس، ولكننا نريد أن نشير إلى أنه وحده فصّل الأمر ووصف الحرق وصف شاهد معاين. فالجغرافيون العرب في القرن الرابع ذكروا أن الروس كالهنود

  1. Henri Semiradski