والفولغا. وذلك لأن تعاليم الدين الاسلامي توحي بطلب العلم وتفرضه وتطلب السعي إليه.
ذلك ما قاله المستشرق منذ مائة عام في فضل العرب على الغرب من حيث كتب الرحلة، أثبتناه، لنبيّن أهمية ما كتبه الأجداد، وفيهم ابن فضلان، ولنشير إلى يدهم في الكتابة عن أقطار الغرب، وعن روسية خاصة. فالقوم لا يعرفون من تاريخها القديم كبير أمر. فلما وقعت إليهم رسالة ابن فضلان فرحوا بها لأنها تسدّ ثغرة كبيرة في الحديث عنهم لماضيهم البعيد، ولعلها وحدها تنير صفحات واسعة في حياتهم، وتتحدّث عن معيشتهم في أمانة ودقة وتوفيق.
ونحن لا ننظُر إلى الرسالة من هذه الناحية فحسب، وإنما نرى أنَّ الرجل قد صوّر الرحلة والعادات والتقاليد والحياة والأخلاق في ذلك العصر، في مختلف المناطق التي مر بها أو قام فيها، فلم يغفلْ كثيراً ممّا يحتاج إليه ذلك الزمان، وكان دقيق الملاحظة، يسجّل أكثرَ ما يرى السائح، وينقل إليه ما يدورُ خلالَ السياحة من حوار ودسائس، ويصفُ الحكّام والأمراء ورجال الشعب على حدّ سواء ويرسم الهيئات والوجوه على إيجاز الرسالة وقصرها.
مرّ ببخارى فوصف الدراهم الغطريفية وتركيبها وقيمتها، وفعل مثل ذلك حين وصل إلى خوازرم فوصف دراهمها وتركيبها وتسميتها بالطازجة ورسم وحشية أهلها وصوّر كلامهم بأنه أشبه شيء بصياح الزرازير، كما صور كلام قرية قريبة بأنه أشبه شيء بنقيق الضفادع فبيّن حال الأجنبي حين يسمع لغة لم يألفها سمعه، فحار في تشبيهها ورسمها.