لكرهه ذلك، وغضبه من مرأى الجارية يتناولها الفجار من أصحاب الميت في أوضاع يأباها الإسلام والدين والذوق.
⁂
والعجب أشد العجب في هذه الرسالة، يخطّها رجل فقيه، فيجيد في الوصف على أروع ما يجوّد فيه الأدباء، يصوّر ما يجول في نفسه من مشاعر الفرح والغبطة والخوف والفزع، والعجب والدهشة، فيقربنا من المشاهد التي رأى تقريب أديب أريب لا فقيه مبشّر. ولولا أنه ذكر مهمته وألح على بيانها، وأكثر من النصح والنهي، لسلكناه في الأدباء والقصاصين فحسب، وذلك لبراعة قلمه وحسن بيانه وجودة عبارته، وشدة أسره، وعظيم إيجازه في التعبير، ودقته في اللفظ وانسيال الجمل على قلمه في سهولة ويسر، وفي تتابع من غير تقطيع ولا استطراد. فلم نقع على تقعّر في المفردات، ولا تكلّف في الإنشاء، فأسلوبه من السهل الممتنع وبيانه من الإيجاز بحيث يقع في صدور الكتّاب وفي طليعة المنشئين. وأما رسالته من حيث المنهج فهي أشبه بالقصة، تتماسكُ حلقاتُها وأحداثُها، كرواية متشابكة متصل أولها بآخرها.
وهو على إيراده الأرقام والأعداد في ذكر التواريخ والمسافات والأبعاد والأيام، لا يبتعدُ عن أسلوب الأديب، ولا يتقرَّب من أسلوب الجغرافي. فلا ترى له ذكراً لدرجات الطول والعرض ومواقع البلدان، ودرجات الحرارة وموازنة الأقاليم بعضها ببعض كما يصنع الجغرافيون. ويعتمد في حكايته للأحداث