يلتصق خده على المخدة لشدة البرد. وحين أوغل في بلد الترك لقي الضر والبرد حتى أشرف على التلف فيمن معه. ولقيه واحدٌ من قطاع الطرق فأوقف القافلة بأسرها وهي نحو ثلاثة آلاف دابة وخمسة آلاف رجل، فنجا منه بالهدية والحسنى وعبر الأنهار في جهد جهيد والغرق يتهدّده مع القافلة كلها.
وهو على هذه الأخطار التي واجهته، والدسائس التي تربصت به، والمشقة الطويلة التي عاناها، كان شديد الايمان بالله، عظيم التمسك بدينه وأخلاقه وتقواه لا يخون الأمانة ولو خانها رفاقه، ولا يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طوال الرسالة، فتراه يضرع إلى الله أن ينجيه من شرّ ما يلقاه، ويبرأ إليه من شرور الناس الذين يراهم في طريقه. يتقزز من القذارة والأوساخ والإسلام أمر بالنظافة وجعلها من الإيمان، ويهوله أن يرى النساء إلى جانب الرجال ، بل يفزعه أن يراهنَّ في عرى مخجل فيدعوهنَّ إلى التستر[١]، فإذا شاهدهن في الماء بغير ثياب طار صوابه، وفزع إلى الله من شر الكفر الذي كان يسمعه من الكفار في سبيله. وكم تلفت إلى أمور الدين وهو في أشد المواقف خطراً، فنعى على القوم أنهم «لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة[٢]»، وكم ستر وجهَه حين تكشف النسوة عن عوراتهن. وكان يرتجفُ لسماع أسئلة ملؤها الكفر، فيستغفر الله لسائله حين يقول له «ألربنا عز وجل امرأة؟» ولفت نظره أن الرجال هناك ينتفون لحاهم ويرسلون سيالهم فشبههم بالتيوس. وغمّه أن يسجد