وقد حمل الوفد فيما حمل «أدوية» كان ملك الصقالبة طلبها من نذير الخرمي وهذه شهادة أخرى على تقدم المملكة العباسية، وغنى حضارتها، ووفرة الأدوية عندها، وفقدانها في بلاد البلغار آنذاك.
وصف الرحلة
وفي الرسالة تفصيلات دقيقة على إيجازها وقصرها، تحدّد لنا تاريخ الرحلة وأيامها وخطتها وسيرها، وتتيح لنا أن نرسم الطريق الذي مرت فيه، والأوقات التي قضتها في كل مدينة وقرية، وعند كل نهر أو مفازة.
فقد رحل الوفد من بغداد يوم الخميس ١١ صفر ٣٠٩ هـ (الموافق ٢١ حزیران ٩٢١) وظل يصعد شرقاً وشمالاً ماراً بإقليم الجبال، فهمذان فالرّي قرب طهران اليوم، وعبر نهر جيحون، فبلغ إلى بخارى، ثم أوغل في البراري والبوادي حتى وصل إلى الفولغا، عند ملك الصقالبة، يوم الأحد ١٢ محرم ٣١٠ هـ (الموافق ١١ أيار ٩٢٢)، فاستغرقت رحلته أحد عشر شهراً في الذهاب، لاقى خلالها مصاعب كثيرة وأهوالاً مذهلة، وصفها ابن فضلان وصفاً جميلاً بارعاً يضعه في الصف الأول من الرحالة الأدباء.
فقد ذكر أنه تنكر في القافلة قبيل نيسابور خوفاً على نفسه ثم دهمه الشتاء في الجرجانية على نهر جيحون، فإذا باب من الزمهريز قد فُتح، وإذا الريح عاصف شديدة، فإذا خرج من الحمَّام الى البيت جمدت لحيته فأصبحت قطعة واحدة من الثلج، وإذا هو يبيت في بيت داخل بيت، ويتدثّر بالأكسية والفراء، ومع ذلك