الصحون والممرات حتى كلّا من المشي وأنبهرا، لكثرة الرجال والسلاح، ثم أُدخلا على الخليفة المقتدر.
وكان المقتدر جالساً على سرير ملكه، وحوله الأولياء وقوف على مراتبهم. فلما دخلا قبَّلا الأرضَ ووقفا حيث استوقفها الحاجب، فأديا الرسالة، فأجابها عنه الوزير وانتهت المقابلة. فلما خرجا من حضرته خلع عليهما مطارف خزّ وعمائم خزّ. وأطلق على القواد الشاخصين من بيت المال مائة ألف وسبعون ألف دينار. وحمل إلى كل واحد من الرسولين عشرون ألف درهم صلة لهما، وخرجا مع المترجم من حدود البلاد، وتمّ الفداء.
ولعلنا أسهبنا في الرواية والنقل والتلخيص ولكننا أردنا أن نرسم حال بغداد والخلافة والوزراء، والجند، والمراسم، قبل أربع سنوات من سفر ابن فضلان وخروجه من بغداد، وأن نصوّر البلَد الذي خرج منه في حضارته وعمرانه وزيّه وتقاليده وأن نشير إلى الغنى والثروة والجاه والمنعة والقوة وبراعة التمثيل، مما ييزّ أعرق المالك في الحفاظ على التقاليد القديمة من دول أوربة اليوم. فما نظنّ أن واحدة منها تقف اليوم في مراسمها من الجند واللباس والفرش وتوزيع المال والاغداق، لما كانت تفعل بغداد منذ عشرة قرون. بل إننا لا نكاد نرى سبيلاً للموازنة في اصطناع الهيبة وإنْظَار السفراء وبهر أبصارهم بين ما كانت عليه بغداد وماهي عليه أغنى عواصم الملك اليوم في الغرب.
وسنرى أثر هذا كلّه عند ابن فضلان، فهو بعد أن عرف ما في عاصمته