ولكننا نلاحظ أن هذه الكتب في جملتها قد أوجزت حين رسمت أحوال الشعوب وتقاليدها، وملابسها، فجعلت حصّتها من الصفحات كنسبة رقعتها من الأرض، لم تتبَّسط ولم تفصل الأمرَ. ولعلّها كانت تنظر قبل كلّ شيء إلى الخراج والمال، والى صلة هذه الأصقاع بعاصمة الخلافة، فقد بدأت هذه الإمبراطوية العربية تفقد وحدتها السياسية منذ انتصف القرن الثاني للهجرة، وأصبحت روابط الدين والثقافة وحدها جامعة لشمل هذا الملك الواسع، ولمّ أطرافه. وقامت صلات التجار مقام السفراء الاقتصاديين اليوم، فنهض المسلمون إلى أطراف الأرض ينقلون البضائع ويشترون السلع، وبلغوا إلى أقصى بحار الصين وسواحل البلطيق والأندلس والأطلسي وجزر المحيط الهندي، وخلّفوا في هذه الممالك نقوداً وآثاراً، يكتشفها الباحثون يوماً بعد يوم، وعليها أثر هؤلاء التجار.
وذكر المقدسي في كتابه ، أنَّ المسلمين كانوا يجلبون كثيراً من السلع من جنوبي الروسيا والبلاد الأوربية الشمالية، عدَّ منها الجلود والفراء والشمع والقلانس والعسل والسيوف، وقال أنهم كانوا يستجلبون الرقيق من الصقالبة. والصقالبة في عرفهم كانت تشمل السلافيين والجرمان وبعض سكان أوربة. وكان أهم ما يحمله هؤلاء النجار الى الأقاليم النائية، أنواع المنسوجات والتحف والفواكه.
تلك كانت رحلات التجار ومساعيهم الفردية، وكانت السلطات والحكومات