الهمذاني، وابن رستة، وابن حوقل، والاصطخرى وغيرهم، ووصفوا بلاد المشرق والمغرب من الصين إلى الأندلس، وذكروا حال الشعوب وتقاليدها وعقائدها ووصفوا حال البلاد وطرقها وحاصلاتها وخراجها على الوجه الذي تم لهم. فبلغ بعضُهم إلى الدقة والتوفيق حين سجل ما رأى، ونقد ما سمع. وفشل بعضهم في جمع كلّ ما طرق سمعه من أخبار لا يكاد العقل يصدّقها. ولكنهم على كل حال كانوا صورة لما يدور في حلقات العلم والمعرفة لعصر هم من آراء ومعلومات وأخبار قد نقف أمام بعضها موقف الشك والنقد، بعد عشرة قرون أو تزيد، وقد توفرت لنا سبل عديدة لم تكن متوفرة لذلك الزمان، فأصبح رسم الدروب والمناطق ووضع الخرائط والمصورات بحثاً علمياً مستقلاً في أبعد حدود الرقيّ، وغدت الرحلة والتنقل والمشاهدة على أيسر ما يستطيع الانسان أن يفعل ، ولكنَّ الفضل أبداً للمتقدم، والموازنة المنصفة تقتضينا أن نذكر ما بين زمانهم وزماننا من وسائل ووسائط وطرق.
والحقّ أن بعض هؤلاء المؤلفين رأى بنفسه وعاين وشاهد - كما قلنا - وكان على إلمام بما يرى، فقد كان ابن خرداذبة عاملاً للبريد والخبر خلال أواسط القرن الثالث للهجرة، في نواحي الجبل من أرض فارس، وقال المقدسي إنه رحل وسافر وأنفق في أسفاره مايزيد على عشرة آلاف درهم. وقال ابن حوقل إنه شاهد كلّ ما كتب عنه وعاينه إلا الصحراء الكبرى، وعن المقدسي وابن حوقل أخذ أكثر الجغرافيين.