فهذه المزية العظمى ، ما معناها اذا نحن عبرنا عنها بعبارة أخرى لا تخرج عنها في لبابها (١) وقشورها ؟ معناها القريب البسيط أن قومه تأخروا في الاسلام ، وأنه كان مسلما من صفوة المسلمين ، اذ كان قومه عامة على لدد (٢) الكفر واصرار العداوة بينهم وبين النبي وصحبه الأبرار ، وكان منهم من يعودون به و هم كافرون أو مرتدون فيبدو ذلك نكيرا منفردا بين جلة الصحابة ، لأنه كان وحده منفردا بالمزية التي لم ينفردوا بها مثله ، وهي سبقه الى الاسلام بين أسرة مصرة على المكابرة والعداء ولقد كان العربي يلوذ بالعربي وهما في المعسكرين المتناجزين (٣) ، وكان عثمان مسلما أوفده النبي الى مكة يوم وتلقاه أهلها بالأذى فقصدى لنصرته بعض أبناء عمومته المشركين ، ومضى ذلك في حينه ولم يلتفت اليه ملتفت في ذلك الحين ، لأنه لم يكن بدعا من عادات القوم قبل الاسلام ولا بعده . و كان مشركو مكة يهابون المساس بصاحب الدعوة نفسه لعلمهم أن عشيرته تغضب له اذا جد الجد، وأصابه المكروه في سبيل
. الدين فلما انتهى أمر الشرك ، وانتهى عرفه وعاداته ، و بقيت مفاخر الاسلام وسوابقه أصبحت المزية العظمى نقيصة (٤) من جانبها الآخر لم تكن مزية على الاطلاق يحضرنا في هذا الصدد مثل يستوحيه الذهن قسرا (٥) موقعه من هذه السيرة ، وهو مثل الرؤيا التي فسرها المنجمون للملك تفسيرا قضى عليهم بالعقاب ، ثم فسرها له غيرهم تفسيرا أغدق (٦) عليهم النعمة والثواب ، ولا فرق بين التفسيرين في المدلول .. قال له المنجمون أولا : ان الرؤيا مشئومة لأنها تريهم أعزاءه يهلكون واحدا بعد واحد ثم لا يلبث الملك أن يهلك على آثارهم . ثم قال له المنجمون آخرا : انها لرؤيا سعيدة تبشره بالعمر الطويل ، وانه لأطول عمرا من قومه أجمعين • (٢) اللدد : (1) أي جوهرها ومظهرها ، واللب خالص كل شيء شدة الخصومة (٣) المناجزة والتناجز : بمعنى المقاتلة - (٤) نقيصة : أي عيب . (٥) أي كرها أو قهرا (٦) أي أكثر AY