انتقل إلى المحتوى

صفحة:ذو النورين عثمان بن عفان (المكتبة العصرية).pdf/56

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.

4.

تكن غيرة العرف الظاهر قصاراها (1) الوجاهة عند الناس ، بل كانت الوجاهة عند الله قصاراها ومبدأها ومنتهاها ، فلا يدعيها مدع بالباطل، ولا يأمن اذا ادعاها بالباطل أن تذهب جميعا فلا تبقى لها عنده ولا عند الناس أو عند الله باقية - ومن ثم كانت غيرة بناء وصدق ولم تكن غيرة هدم وادعاء ومضى الناس يتنافسون ، ويؤمرون أن يتنافسوا في مثل هذا الفضل فهم فيه متنافسون مجدون . وقد رأينا كيف كان اناس في رجاحة أبي عبيدة وعثمان يتعارفون على هذا التنافس الذي لا يخجل فيه أخ من أخيه ولا صديق من صديقه . فلا ينقم مسبوق على سابق ، ولكنه يغبطه (٢) ويستحث مزائمه على سبقه ما استطاع وهكذا نظر عثمان إلى أكفائه ، فوجد أنه لم يسبقهم في ميادين الجهاد بالسيف فالى (٣) على نفسه ليسبقنهم في ميادين الجود والسخاء ، وثابر على ذلك من أول أيامه في الاسلام الى ختام أيامه في الحياة ، فهاجر الى الحبشة و هو يعلم أن ماله كلة عرضة للضياع من جراء هذه الهجرة ، فلم يبال ما بقي منه وما ضاع ، وتقدم في كل محنة أصابت المسلمين من فاقة أو قحط أو نقص في السلاح والعتاد ، فبذل من المعونة والعطاء ما لم يبذله أحد من أمثاله في ثرائه ، وما لم يبذله الذين هم أقدر منه على معونة أو عطاء ولم يكن على أية حال بأغنى الأغنياء وكانت له سماحة محببة حيث يجود ويتكلم بكلام التجار في مساوماتهم و هو على غاية الجود B قال ابن عباس : « قحط الناس في زمن أبي بكر ، فقال أبو بكر لا تمسون حتى يفرج الله عنكم ، فلما كان من الغد جاء البشير اليه فقال : لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاما فغدا التجار على عثمان فقرعوا عليه الباب فخرج اليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه ، فقال لهم - ما تريدون ؟ (١) أي غايتها . (٢) الغبطة : أن تمنى مثل حال المغبوط من غير زوالها عنه ، فان تمنيت زوالها فهو الحسد . (٣) آلى : أقسم . ολ