على العهد
عَلِم قرَّاء هذه التراجم وجهتنا التي نتجه إليها في كتابتها، ولا نحسب أن أحدًا ممن تتبعوها — أو تتبعوا معظمها ينتظر منها بحثًا غير بحوثها التي عنيناها، فليس يعنينا منها سرد الحوادث ولا استقصاء البيان عن فترة من السنين، وإنما يعنينا من الحادثة التي نعرض لها ومن الفترة التي نستبينها أنها وسيلة إلى مقصد واحد: وهو التعريف بالنفس الإنسانية في حالة من أحوال العظمة والعبقرية، أو حالة من أحوال النبل والأريحية، فإن جاوزنا هذا المقصد إلى غيره فإنما نجاوزه لجلاء فكرة تحيط بأطوار التاريخ الإنساني، وتُخْرِجه من غِمَار التِّيه [١] والظلمة، وتسلك به مسلكًا غير مسلك التخبط والضلال..
ونحن نقيس أثر هذه التراجم بمِقْيَاسين متقابلين، بل متعارضين متناقضين، ولكنهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة..
نقيس أثرها بالرضى والقبول من الموافقين، ونقيسه بالسخط والنفور من المخالفين، وكلاهما دليل على أثر نغتبط به ونستزيد منه .. دليل على أن التراجم رمية أصابت مرماها، وهذا كل ما نبغيه.
ومن الملاحظات التي نغتبط بها خاصة أن جانب الرضى عن هذه التراجم غير مقصور على أبناء دين واحد أو أبناء نِحْلة[٢] واحدة.. فتراجمنا لعظماء الإسلام قد اطلع عليها وتتبعها أناس كثيرون ممن لا يدينون بالإسلام، وترجمتنا لغاندي قد كان أكثر قرائها من المسلمين، وهؤلاء وهؤلاء قد عرفوا وجهتها ولم يخرجوا بها عن سبيلها؛ فليست النفس الإنسانية ملكًا لأبناء دين واحد ، وليس الكشف عن أسرارها وأغوارها[٣] فريضة شرع واحد أو عرف واحد ، وما من شيء يجعل للدين نفسه معنى ان لم تكن النفس الانسانية ذات معنى وذات قيمة وذات علاقة
أصيلة بهذا الوجود أجمع ، فلا يضل معتقد عن هدى عقيدته حين
١٧