صفحة:داعي السماء.pdf/96

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
المؤذن الأول

ولنا أن نتخيله في مأواه بالشام وإنه ليدعى مرارًا إلى ترديد ذلك الدعاء الذي أعلنه لأول مرة تحت قبة السماء المضاءة بمصابيح الكواكب، وإنه ليضطر مرارًا إلى الإباء والاعتذار لأولئك الذين كانوا يجلونه إجلال القديسين وبودهم لو بذلوا أموالهم كلها ليسمعوه.

إلا أنه لما ذهب عمر إلى دمشق توسل إليه رؤساء القوم أن يسأل بلالًا إقامة الأذان تكريمًا لمحضر أمير المؤمنين، فرضي بلال وكان أذانه الأخير.

 

لقد كانت غيرة فتيان الدين الجديد في تلك الأيام غيرةً يوشك ألا تعرف الحدود، ومن المحقق أن النبأ الذي سرى بينهم مبشرًا باستماعهم إلى أذان بلال قد أذكى في نفوس أهل المدينة الوردية الشذى حميةً مفرحة لا نظن أن العالم المسيحي قد شهد لها مثيلًا في غير أيام الصليبيين.

فلما شاعت البشرى بين أبناء المدينة بسماع صوت المؤذن النبوي لاح للأكثرين ولا شك أن الظفر بسماع هذا الصوت غنيمة مقدسة تكاد تضارع الظفر بسماع صوت النبي عليه السلام … وأنها أفخر أحدوثة في الحياة تروى بعد السنين الطوال للأبناء والحفدة. وقد يكون في المدينة من تلقى النبأ بشعور لا يتجاوز التطلع والاستشراف، ولكن الأكثرين الذين تزاحموا في صمت وخشوع واجفي القلوب مرهفي الآذان لسماع «التكبيرة» المعروفة قد خامرهم ولا ريب شعور أعمق وأقوى من أن يلم به النسيان. وتزكي روايات العيان هذا الاعتقاد؛ لأننا نعلم من تلك الروايات أنهم بعد لهفة الانتظار في تلك اللحظة لم يلبثوا أن سمعوا رنة الصوت الجَهْوري تشق حجاب السكون، وتتعاقب من حنجرة الشيخ الأفريقي بتلك الكلمات المحبوبة الباقية، حتى بكى عمر ومن معه وتحدرت الدموع على وجوه أولئك الأبطال المجاهدين، وارتفع لزفراتهم نشيج عالٍ غطى في المسجد على دعاء الأذان الأخير.

أي فنان موسيقي أو دارس لتاريخ الموسيقي لَيَوَدُّ لو يسمع كيف كان صدى بلال في ذلك الأذان، وأن يسمع الكلمات الخالدات كما كانت تسمع من أول المؤذنين!

ولا حاجة بنا إلى أن نقول: إنها أمنية مستحيلة؛ لأن فن النوتة أو تدوين الأنغام لم يكن معروفًا يومئذ بين العرب ولم تكن لهم وسيلة لنقل الصوت من جيل إلى جيل غير تعليق الذاكرة، فليس في وسعنا أن نجزم كل الجزم بما بقي أو بما تبدل من تلحين بلال للأذان. ولكننا نرجع إلى الظن وقد يغني في هذا الباب. ولدينا من الأسباب ما يكفي لترجيح بقاء الأصوات نيفًا وألف سنة محفوظة في الذاكرة بغير تدوين، ولعلنا نستطيع

95