صفحة:داعي السماء.pdf/79

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

ولا اختلاف في صيغة الأذان بين الطوائف الإسلامية جمعاء … إلا أن الشيعة يضيفون إليه، «حي على خير العمل» مع حي على الصلاة وحي على الفلاح. ويردد المالكية التكبير مرتين بدلًا من أربع مرات.

ولا اختلاف كذلك في جواز التلحين والترجيع في الأذان ما لم يخلَّ بنطق الكلمات ومخارج الحروف. إلا أن الحنابلة يعلنون الأذان بغير تلحين، ويتصرف الأحناف في بعض الترجيعات.

وقد ندب بلال بن رباح للأذان من لحظته الأولى، فلم يسمع لأحد أذانٌ قبله ولم يسبقه إلى ذلك سابق في تاريخ الإسلام، وهو شرف عظيم؛ لأن محمد بن عبد الله كان إمام المسجد الذي كان مؤذنه بلال بن رباح. ومن المتفق عليه في أقوال الصحابة أن بلالًا كان محبب الصوت إلى أسماع المسلمين، وأنهم كانوا يقرنون دعوته بصلاة النبي بهم فيزيدهم هذا خشوعًا — لسماع صوته — فوق خشوع.

على أننا نقرأ في أنباء فتح مكة أن رهطًا من المشركين كانوا ينكرون نداءه ويتساءلون: أما وجد محمد غير هذا العبد ينهق على ظهر الكعبة؟! وكانوا يستكبرون من رجل كائنًا من كان أن يعلو ظهر البيت الذي لم يصعد إليه أحد في الجاهلية. فهالهم أن يروا «عبدًا» يصعد إليه ويجهر بذلك النداء.

قال بعضهم للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فلجأ الرجل إلى حكمة المضطر وقال: «دعه، فإن يكن الله يكرهه فسيغيِّره.»

وكان الحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد جلوسًا بفناء الكعبة يوم أمر النبي بلالًا أن يصعد إلى ظهر الكعبة فيقيم الأذان. قال عتَّاب: لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، وأنكر أبو سفيان ما سمع، أو قيل في بعض الروايات: إنه جمجم قائلًا: «لا أقول شيئًا، ولو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا.»

وقبل أن نحيل هذا الإنكار إلى شيء يؤخذ مأخذ النقد ينبغي أن نذكر أن ذلك الوصف جاء من المشركين الذين كانوا خلقاء أن ينكروا أول أذان يرتفع في سماء مكة ولو ترنمت به الملائكة وتجاوبت به سواجع الأطيار، وأنهم سمعوه زعيقًا و«نهيقًا» كما قالوا؛ لأنهم سمعوا شيئًا لا يطيقونه ولا يستريحون إليه. وكانت بهم عنجهية السادة في

78