صفحة:داعي السماء.pdf/42

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
الرق في الإسلام

وقال هيرودوت: إن الفرس في زمانه كانوا يمنعون عقاب العبد على الهفوة الأولى، ولكنهم يبيحون للسيد أن يقتل عبده أو يعذبه إذا أذنب مرة بعد أخرى، وكانت شريعة الفرس أرفق بالعبد على الجملة من شرائع اليونان والرومان؛ لأنها كانت ترخص له في الراحة وتكره العدوان عليه، وربما سرى إليهم أدب الشريعة هذا من عادة التسري واقتناء الزوجات من الإماء، ووافق ذلك معيشة الحضارة في المدن الكبيرة، وقلة الحاجة إلى إرهاق الأرقاء لتحصيلضرورات المعيشة، ولعلهم قد استفادوا أيضًا من سنن العبرانيين في معاملة الرقيق، لطول العشرة بين اليهود وبين شعوب النهرين. ولم تسلم أمة قط من إقرار نظام الرق وازدراء العبيد على اختلاف عناصر الأمم وأجناسها.

فما قيل عن فضل أمم الشمال الأوروبية على أمم الجنوب كافة في هذه المسألة خطأ ظاهر في البحث عن حقائق الأسباب؛ لأن أمم الشمال لم تخل من نظام الرق سموٍّا في الأخلاق أو تفردًا بالصفات الإنسانية التي تدَّعى للشماليين في الزمن الأخير، ولكنها خلت من نظام الرق؛ لأن اقتناء الأرقاء في تلك البلاد الباردة يكلفها أكثر مما يحط عنها، فهي فضيلة الضرورات لا فضيلة الأخلاق، وهي مزية البقاع لا مزية عناصرالشمال. وما زال الرقيق محرومًا من المساواة الإنسانية إلى هذا اليوم في الأمم الأوروبية والأمريكية. وكانت القوانين إلى القرن الثامن عشر تجيز قتل العبيد في المستعمرات إذا هربوا من الأسرأو أغلظوا لمواليهم في الكلام، ولم يكن على السيد الذي يقتل مولاه إرهاقًا أو تعذيبًا عقابٌ منصوص عليه.

تلك كانت حالة الرقيق جملة في القرون الأولى وفي القرون الحديثة، وقبل ظهور الأديان الروحية وبعد ظهور تلك الأديان.

ومن الأسباب التي تذكر لتحسين أحوال الأرقاء ومنع الاتجار بهم في العصرالحديث: أن اقتناء العبيد كان ييسر لبعض البلاد أن تنافس البلاد التي تستخدم العمال الأحرار في الصناعة وتبذل لهم أجرًا لا يطمع العبيد السود في مثله، وكان اقتناء العبيد يضير أولئك العمال الأحرار في الوقت الذي عرفوا فيه حقوقهم ونهضوا للمطالبة بها، وساعدهم على المطالبة بها أصحاب الأموال الذين لا يستفيدون من تسخير الأرقاء.

ومهما يكن الرأي في حقيقة هذه الأسباب فهي مما يدخل في التقدير عند بيان فضل الإسلام وسبقه للحضارة الحديثة إلى أرفع الآداب وأكرمها في مسألة الرق ومعاملة الأرقاء.

41