صفحة:داعي السماء.pdf/37

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

والعرب قد عاشت في جزيرتها بمأمن من سطوة جيرانها إلا في أطراف الجزيرة، حيث لا يبلغ النزاع بينهم وبين أولئك الجيران مبلغ الإبادة والاستئصال.

وعاشوا ثمة وهم يحسون مكان جيرانهم ويحس جيرانهم مكانهم، فوجدت بينهم أسباب المفاخرة ولم توجد بينهم أسباب العداء اللدود.

وأملى التاريخ على العرب وجه المفاخرة إملاءً لا اختيار لهم فيه.

فقد كان جيرانهم الفرس والروم والأحباش أصحاب ثروة ودولة ومعاش ومتاع، وكانوا يعيرون جيرانهم العرب شظف العيش وسوء الطعام والكساء، وكان العرب لا يجهلون حظ هاتيك الدول من الجاه والترف وغزارة الأمواه والأزواد، فإذا فاخروهم تركوا المفاخرة بطعام أمتع من طعامهم وكساء أنفس من كسائهم وحطام أوفر من حطامهم، ورجعوا إلى فخرهم الذي يملكونه ولا يهابون المقالة فيه، وهو فخر الفصاحة وعراقة الأحساب والأعراض.

فهؤلاء كلهم عند العرب أعاجم!

وهؤلاء كلهم عند العرب أخلاط لا حساب عندها للحسب العريق.

وقد رضوا عن أنفسهم بهذا الفخر واستطاعوا المقالة فيه، ولم ينشب بينهم وبين مفاخريهم من العناصر الأخرى قتال طويل يبيدون فيه أو يبادون، فوقفوا بالمفاخرة دون اللدد في الخصومة الدموية، ونقلت عنهم وعن مفاخريهم أحاديث مستطرفات في هذا الصدد هي أقرب إلى مساجلات الأدباء في موقف الدعابة منها إلى المنازعات التي تسفك فيها الدماء.

إن فخر الروم والفرس ببياض الألوان قال العرب: تلك وجوه مقشرة!

وإن فخر الروم والفرس بالخوان الحافل فخر عليهم العرب بالجود وبذل الموجود.

وساجلوا وسوجلوا في هذا المجال فأثبتوا بحق أنهم أصحاب فصاحة وأصحاب أعراق.

لكنهم لم يعرفوا قط عداء العنصر أو عداء الجنس كما عرفه البيض والحمر في القارة الأمريكية، أو كما عرفه الأوروبيون والأصلاء في القارة الأسترالية، أو كما عرفه السلافيون والتيوتون في أوروبا الشرقية، أو كما عرفه الإسرائيليون والكنعانيون أو عرفه المغاربة والإسبان في زمن من الأزمان.

وإذا سمعت الزراية بالعبيد على لسان العربي فآخر شيء يتبادر إلى الذهن أنهم يقصدون عداء الألوان والأجناس، أو يخصون اللون الأسود بذلك الازدراء أو ذلك العداء.

36