صفحة:داعي السماء.pdf/36

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
لم تدقّق هذه الصفحة


العرب والأجناس


 
 
 

ألممنا في فصل سابق بأقوال بعض العلماء في مسألة العنصر وفوارق الأجناس، فأيًّا كان قول العلم في هذه العصبية العنصرية — أو الجنسية — فالقول الذي لا ريب فيه أن هناك شيئين مختلفين يدوران حول هذه العصبية، ويلتبسان في بعض الأحوال فتجب التفرقة بينهما: وهما المفاخرة الجنسية والعداوة الجنسية.

فقد تكون مفاخرة جنسية ولا عداوة.

وقد تكون عداوة جنسية ولا مفاخرة.

لأن المفاخرة طبيعة الجماعات حيث كانت من قديم أزمانها، وقد توجد المفاخرة في الأمة الواحدة بين أهل الحضر وأهل القرى، أو بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب، وقد تتفاخر البطون من القبيلة الواحدة ولا تتعادى، وقد تتعادى ولا تتفاخر، وقد تتفاخر وتتعادى في آن، وهي من جنس واحد وقبيلة واحدة.

وعندنا في مصر مفاخرات كثيرة بين أبناء القاهرة وأبناء الإسكندرية، وبين أبناء الصعيد وأبناء الريف، ومفاخرات أخرى حول اللهجات والأذواق والأطعمة لا تتجاوز الفكاهة إلى الجد في عامة أوقاتها.

ومثلها متكرر يشاهد بين أبناء الأقاليم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية، وحيثما تعددت الجماعات في صقع واحد ولو من أرومة واحدة.

وقد تتجاوز العناصر ألوف السنين ولا تتجاوز المنافسة بينها حدود المفاخرة اللسانية والمنافرة الكلامية، ولكنها تتجاوز المفاخرة العنصرية إلى العداء العنصري كلما اندفعت إلى التنازع بينها على مغنم واحد لا يتأتى لإحداها بغير القضاء على الأخرى أو إذلالها، ويستحكم العداء بينها على الزمن إذا تداولت بينها الذحول والغارات فلا يهمها المغنم يومئذ كما يهمها الثأر والانتقام.