صفحة:داعي السماء.pdf/32

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

الأفريقية كما عاش الزنوج لأهملتها ولم تفكر فيها، ولا شك أن الزنوج لو بدءوا الحياة الاجتماعية حيث بدأها أولئك الأقوام لاخترعوا وفهموا فهمهم وعرفوا معرفتهم وأعادوا سيرتهم بغير فارق كبير في جوهر الأمور.

أما الطب ومداواة الأمراض فكل ما حذقه الإنسان الفطري بمعزل عن الأمور الأخرى فقد حذقه السود وبرعوا فيه، ولم تفتهم خاصة لازمة لهم من خواص العشب والنبات أو خواص الإيحاء والتأثير بالعقيدة والتنويم.

ونحن لا نعني بهذه المقابلة بين ضرورات السود وضرورات غيرهم من أجناس البشر أن الفرق بينهم وبين تلك الأجناس معدوم أو قريب التحصيل والاستدراك، ولكننا نعني أنه يرجع إلى أسباب تجوز عليهم كما تجوز على غيرهم فهم وسائر البشر في أصولها سواء.

ولو نظرنا إلى النصيب الذي تيسر لهم من الثقافة الأدبية، فحصلوه وأجادوه لعلمنا أنهم حريون أن يبلغوا بالعطف والمعاملة الحسنة شأوًا محمودًا في مجال الآداب والعلوم، فقد نبغ منهم في العربية شعراء معدودون من طراز عنترة وسحيم عبد بني الحسحاس ونصيب والأغربة المشهورين الذين أجادوا الحماسة كما أجادوا الغزل والنسيب، وبين غزلهم والأغاني المرقصة التي عكف عليها السود من آلاف السنين صلةٌ قريبة لا تصعب النقلة فيها، ولكن الطبقة الفنية — والنفسية — التي ارتفعوا إليها في ذلك الغزل تدل على أن الآباد الطوال التي قضوها في المعيشة الآبدة لا تحجبهم عن الظرف الاجتماعي إذا وجدوا السبيل إليه، وما أحسب شاعرًا من شعراء الحضارة يترفع عن توقيع هذه الأبيات التي نظمها سحيم لمعشوقة مريضة فقال:


ماذا يريدُ السقامُ من قمرٍ
 
كلُّ جمالٍ لوجهِهِ تَبَعُ
ما يرتجي؟ خاب! مِن محاسنِها
 
أمَا له في القباحِ مُتَّسَعُ؟
غيَّر من لونها وصفَّرَها
 
فارتدَّ فيه الجمالُ والبِدَعُ
لو كان يبغي الفداءَ قلتُ له
 
ها أنا دونَ الحبيبِ يا وَجَعُ


ففي هذه الأبيات من روح الفكاهة ودعابة الظرف والفطنة إلى محاسن الملاحة المريضة والخبرة بتدليل النساء غير قليل.

31