صفحة:داعي السماء.pdf/30

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

على نفسه كذلك … وفيه إلى جانب الصبر والشجاعة عناد شديد حين يخشى أن يتهم بالجبن إذا صدع بالأمر فرارًا من العذاب.

وهو مصدق وفي يؤمن بالعقائد التي توارثها عن أسلافه وأكثرها من قبيل السحر وعبادة الأرواح الخفية، وتقديس الرُّقَى والتعاويذ التي تعصمه من فعل تلك الأرواح.

والوفاء فيه طبيعة لأنه نشأ على طاعة الرئيس في القبيلة وطاعة الساحر الذي يعلمه ويحميه، وقلما يغدر أو يخون إذا وجد من يكسب ثقته ويشتمل على عطفه وولائه، وإنما يغدر ويخون إذا توجس وسلبت منه الطمأنينة، فإنه ليرجع إذن إلى حياة المخاوف والأخطار التي علمته الحذر الدائم بين الوحوش والآفات، أو بين الأسرار الغوامض التي يتكفل الساحر بجلائها له على ما يعتقد ويروم، فيعمل في حالة التوجس وسلب الطمأنينة عمل الطريد المطارد أو عمل الهاجم الذي يتوقع الهجوم من كل مكان، فلا يبالي ما يصنع وهو غاضب يائس محروم من العطف والحنان.

وينبغي — قبل مراقبة الزنجي وتسجيل غرائبه — أن ننسى أننا نراقب خلقة غريبة تخالف ما طبعنا عليه؛ لأننا حريون أن نستغرب كل شيء إذا نحن توقعنا الغرابة والاستغراب، فيمر بنا العمل الذي يعمله أبناء لغتنا وعنصرنا دون أن نلتفت إليه، ثم يمر بنا هذا العمل بعينه حين يعمله الغريب فنسرع إلى التنبه له ونحسبه من البدوات التي لا تصدر إلا عن أمثال ذلك الغريب، وكثير من غرائب الزنوج أو غرائب الأجناس عامة لا تحسب من قبيل الغرائب إلا على هذا الاعتبار.

 

لو شاء الناس لالتفتوا إلى هذه الملاحظة في الحقائق الاجتماعية الكبيرة كما يلتفتون إليها كل يوم في الحقائق الاجتماعية الصغيرة، فإننا نسمع العامة في كل مكان يتحدثون عن بعض المشهَّرين بالسوء فيقولون عنه: «إن صوفته حمراء.» ويعنون بذلك أنه يفعل الشيء الذي يفعله غيره فسرعان ما يتنبه إليه الناس ويتعقبونه بالذم والتشهير، ويمضي غيره بفعلته دون أن يتنبه أحد إليه فضلًا عن ذمه والتشهير بسمعته، وهم يستعيرون هذا الوصف من لغة الرعاة الذين يفردون الخروف «الأحمر» بالزجر والعقاب وهو لا يصنع شيئًا غير الذي يصنعه إخوته في القطيع من ذوات الفراء السود، ولكنه يظهر وهي لا تظهر، فيعاقب وحده وتنجو هي من الملاحظة والعقاب.

والجنس الأسود له غرائبه الكثيرة في الأخلاق والعادات، ولكننا إذا بدأنا بالاستغراب أو كان الاستغراب سابقًا للمراقبة كنا خلقاء أن نجد الغرابة حيث لا غرابة على الإطلاق،

29