صفحة:داعي السماء.pdf/21

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

مغبتها على الفرس أو الشرقيين دون غيرهم، أن يذكروا أن الصليبيين على وفرة جموعهم وانتمائهم جميعًا إلى العنصر الأوروبي قد أصابتهم الهزيمة على أيدي الشرقيين وهم دولة واحدة تقل عنهم في العدد والعتاد ولم تعوز الصليبيين في تلك المواقع حرارة العقيدة وشدة المراس.

ومع هذا ألا يقول دعاة البدعة الآرية إن الفرس قديمًا من سلالة الآريين وإنهم أقرب إلى أمم الشمال من يونان الجنوب؟

إن العالم النمسوي فردريك هرتز يذكر أن اختلاط الزنوج بأهل أوروبا كان في الزمن القديم، ومن المفيد في هذا الصدد أن ننقل هنا ما أوردناه في كلامنا على مفاخر الأجناس بالجزء الثاني من «ساعات بين الكتب» وهذا بعض ما جاء فيه:

 
للزنوج أثر في أوروبا تدل عليه الجماجم التي وُجدت في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وكرواتيا ومورافيا، ووجد ما يشابهها منذ ثماني سنوات في أفريقيا الجنوبية. وقد بقي أثر للأقزام السود في جبال الألب إلى عهد بنيني الذي تكلم عن هؤلاء الأقزام وعززت كلامه القصص والأساطير.
 

ويزعم شمبرلين أن عرفان حقوق الحياة هو مزية الآريين التي لا يعرفها الساميون في الشرق لاستغراقهم في المادة وتقديمهم المال والحطام على الأذهان والأرواح. فيجيبه الأستاذ هرتز بجواب مفحم هو المقابلة البسيطة بين شريعة الرومان وشريعة حمورابي في محاسبة المدينين، فاللوح الثالث من ألواح القانون الروماني يبيح للدائنين أن يقطعوا لحم المدين ويقتسموه بينهم وأن يقتلوه قتلًا في مدى سبعة وعشرين يومًا من يوم القبض عليه وتكبيله في الحديد والحبال، وأما شريعة حمورابي فهي تقضي بأن يخدم المدين دائنه ثلاث سنوات، والقانون يحميه في خلال هذه الخدمة من سوء المعاملة والإرهاق. زد على هذا أن الفرق واضح بين الشريعتين في أمور أخرى؛ منها أن السارق المضطر معذور في شريعة حمورابي، وهو غير معذور بحال من الأحوال في شريعة الرومان، وأن الأب الروماني يجوز له أن يبيع أولاده، ولا يجوز ذلك للآباء عند البابليين، وأن الزوج البابلي لا يجوز له أن يقتني السراري بغير إذن من زوجته، وليس للزوجة مثل هذا الحق عند الرومان، وأن المدين يحق له أن يطلب الحط من دينه إذا نقصت غلة أرضه وليس في الشريعة الرومانية شيء من هذا القبيل. وهكذا وهكذا من شواهد الرحمة وتقديم الحياة على الحطام في شريعة حمورابي ثم من شواهد القسوة وتقديم الحطام على الحياة في شريعة الرومان.

20