صفحة:داعي السماء.pdf/20

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

الأطراف، وإنما عناه أن يؤدب إريتريا وأثينا لأنهما تجرأتا على معاونة اليونان الثائرين عليه في آسيا الصغرى، واغتنم لذلك فرصة الشقاق بين المستبدين وأنصار الحرية في أثينا أو قيل إنه تلقى من زعماء الشعب المتمرد وعدًا بالانضواء إليه وخذلان أولئك المستبدين.

فأخمد الثورة في آسيا الصغرى ثم زحف على «إريتريا» فعصف بها وأرسل أهلها أسارى وسبايا إلى شطوط الخليج الفارسي يسامون فيها سوم الأرقاء.

ثم تقدم إلى أثينا وفي حسابه أنها منقسمة على نفسها مسرعة إليه بالتسليم ولو من بعض طوائفها وزعمائها، فلما وقع ما لم يكن في حسبان الفرس ولا اليونان واتفقت كلمة الأثينيين على الدفاع عن بلادهم لم يشأ أن يطيل الحصار؛ لأنه لم يقصد إلى إسقاط المدينة ولم يجد في الأمر ما يستحق المطاولة والعناء.

أما معركة سلاميس فقد كانت المصادفة فيها أغلب من التدبير. شُغل الفرس بعد معركة ماراتون بالثورة المصرية ثم خرج زركسيس لقتال اليونان في جيش ضخم مختلط الأجناس لكنه دون الضخامة التي صورها اليونان بكثير، وكانت ضخامته واختلاطه عائقًا له ولم تكن من مزاياه ومرجحاته؛ لأن قيادة جيش كبير من قبيل واحد أيسر جدًّا من قيادة نصف هذا الجيش وهو مختلط الأجناس متعدد الأهواء، ولأن الجيش كان مرتبطًا بمعونة الأسطول الذي يلازم الشاطئ ويحمل له المئونة والعتاد ويتكفل بنقله في المجازات البحرية، فأصبح الجيش والأسطول معًا مقيدين بطريق واحد لا يعدوانه ولا يغيب علمه عن اليونان. ولما التقى الأسطولان في سلاميس كانت كثرة السفن الفارسية عائقًا للأسطول أيضًا ولم تكن من مزاياه ومرجحاته؛ لأن المكان أضيق من أن يتسع لمناورات الأسطول كله، ولأن زركسيس لم يتقدم إليه إلا لعلمه باختلاف قواد اليونان في إدارة المعركة البحرية، وكان الواقع أنهم مختلفون وأن بعضهم أعلن في مجلس الحرب نية التراجع بمعظم السفن من سلاميس.

فلما نشبت المعركة قبل أن يتم هذا التراجع كانت الكفة الراجحة في جانب اليونان، وأصبح تموين الجيش الفارسي ضربًا من المحال بعد ضياع السفن التي مني بخسارتها في المعركة، فعدل زركسيس عن المطاولة في المعركة البحرية وإن كان قد ظفر بالأثينيين في المواقع البرية.

ولا شك أن الذي أصاب الفرس في هذه المعارك قد كان يصيب اليونان لا محالة لو أنهم كانوا في موضعهم وكانوا ينقلون الجيش مثل نقلهم وهو في اختلاطه وتعدد أهوائه.

فليست المسألة كلها مسألة اختلاف في معدن القوم أو مناقب السلالة، ولكنها اختلاف في الأحوال والملابسات، وخليق بالذين ينسون آفة الاختلاط في الجيوش ويحسبون

19