صفحة:داعي السماء.pdf/14

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

وكان القرن التاسع عشر قرن «مذهب النشوء»، كما كان قرن المذاهب العلمية والفلسفية من شتى نواحيها، فما زالت الأقوال في مذهب النشوء تتسع وتتشعب حتى عرض لبعض الباحثين فيه أن الأجناس البشرية تنتمي إلى أصول متفرقة لا إلى أصل واحد أو شجرة واحدة، وأن القردة العليا هي أجناس بشرية سفلى، وأن المغولي والقرد المعروف بالأورانج نبتا من أصل واحد، وأن الزنجي والغوريلا والشمبانزي تنتمي إلى أصل آخر، وكان رأسَ القائلين بهذا الرأي عالم ألماني من علماء الأجناس هو الدكتور هرمان كلاتش Klaatsch أستاذ هذا العلم بجامعة برسلاو الألمانية. فأعلن في أوائل القرن العشرين رأيه هذا وأيده بما بدا له من الشواهد والملاحظات التي كشفت عنها مقابلاته بين أنواع القردة وأنواع الإنسان.

لكن القرن التاسع عشر لم يكن قرن المباحث العلمية ولا قرن النشوء والتطور دون غيرهما. بل كان كذلك قرن التوسع في الاستعمار وتسخير العلم لخدمة المطامع الاستعمارية والمنازعات السياسية … فظهر من الكتاب من يبشر بالجامعة اللونية أو العصبية الجنسية على أساس اللون والعنصر، وقام في أوروبا من يبشر بامتياز أجناس الشمال على سائر الأجناس البشرية، ومن يرد الفضل في كل فتح من فتوح العلم والثقافة والحضارة إلى أصل الجنس الآري المزعوم في الشمال، وأشهر من اشتهر بهذه الدعوى «آرثر دي جوبينو» في فرنسا، وهوستون شمبرلين الإنجليزي المتجرمن في ألمانيا، ولم تخل أمريكا من نصيبها من هؤلاء الدعاة، وهي ميدان نزاع بين الأجناس البيضاء والحمراء والسوداء، وميدان مفاخرة بين المهاجرين الأوروبيين الذين يمتون بالنسب إلى أصول مختلفة. كالسكسون واللاتين وأمم الشمال والجنوب. فكان لوثروب ستودارد  Lothrop Stoddard وماديسون جرانت Madison Grant على رأس المبشرين بهذه العقيدة في الولايات المتحدة، ولم تكن كراهة الأجناس الملونة هي الباعث الوحيد في نفوس هؤلاء إلى التبشير بمزايا الرجل الأبيض أو مزايا الجنس الآري خاصة من بين الشعوب البيضاء. وإنما كانت كراهتهم للحكومة الحرة — أو حكومة المساواة بين الطبقات — باعثًا آخر إلى إنكار صفاء الشعوب التي سمحت بهذه الحكومة الحرة، واتهامها بالنكسة والفساد من جراء امتزاجها بأجناس غير الجنس الآري أو الجنس الشمالي المجيد، فكانت هذه النكسة مدرجة لها إلى النزول عن أوج السيادة والإذعان لشريعة المساواة.

ولا شك أن حروب نابليون بونابرت كانت لها يد قوية في تمكن هذه النزعة بين الأمم الجرمانية خاصة؛ لأنها كانت سلاحها الذي تدرأ العار به عن فخارها القومي في

13