— ٣٤ —
- ٣٤ - كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ) أى يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله ( يا أهل الكتاب قد جاءكم - رسولنا يبين لكم ؟ مما كنتم تخفون من الكتاب) فكان الرجم مما أخفوه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذى أنزله على نبيه الكريم فقال قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) أى طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ) ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) أى ينجبهم من المهالك ، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور ، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأنهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنُو اللَّهِ وَأَحِبُوهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ منْ خَلَقَ يَغْفِرُ لَمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ البَصِيرُ) خلقه أنه الموجودات يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى فى ادعائهم في المسيح بن مريم وهو عبد من عباد الله وخلق من . هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ، ثم قال مخبراً عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه ( قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ( أى لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك ثم قال ( والله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ( أى جميعا ماسكه وخلقه وهو القادر على ما يشاء لا يسئل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة : ثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى فى كذبهم وافترائهم ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ( أى نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل أنت ابنى بكرى فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والاكرام كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم إلى ذاهب إلى أبي وأبيكم يعنى ربي وربكم ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده ولهذا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه . قال الله تعالى رادا عليهم ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) أى لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم ؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء أين تجد في القرن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفى هذه الآية ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) وهذا الذي قاله حسن وله شاهد فى المسند للامام أحمد حيث قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم فى نفر من أصحابه وصبى فى الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطاً فأقبلت تسعى وتقول ابنى ابنى وسعت فأخذته فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقى ولدها في النار قال فخفظهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا والله ما يلقى حبيبه في النار » تفرد به أحمد ( بل أنتم بشر ممن خلق ) أى لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ) يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) أى هو فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) والله ملك السموات والأرض وما بينهما ) أى الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ( وإليه المصير) أى المرجع والمآب إليه فيحكم في عباده بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور وروى محمد بن إسحق عن محمد بن أبى محمد