— ٦٠ —
كلام ومجتمعين سواء فى ذلك أميهم وكتابهم وذلك أكمل في التحدى وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئا من العلوم وبدليل قوله تعالى ( فأتوا بعشر سور مثله ) وقوله (لا يأتون بمثله) وقال بعضهم من مثل محمد صلى الله عليه وسلم يعنى من رجل أمى مثله والصحيح الأول لأن التحدى عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه ومع . هذا عجزوا عن ذلك ولهذا قال تعالى ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) ولن لنفى التأييد في المستقبل أى ولن تفعلوا ذلك أبداً وهذه أيضاً معجزة أخرى وهو أنه أخبر خبرا جازما قاطعا مقدما غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه الى زماننا هذا ولا يمكن وأنى يتأتي ذلك لأحد والقرآن الله خالق كل شيء وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى قال الله تعالى ( الر ، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذي ولا يداني فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء وأمر بكل خير ونهى عن كل شر كما قال تعالى ) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) أى صدقا فى الأخبار وعدلا في الأحكام فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها كما قيل في الشعر إن أعذبه أكذبه وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه الى الشيء الواضح ثم تجد له فيه بيتا أو بيتين أو أكثر هى بيوت القصيد وسائرها هذر لاطائل تحته ، وأما القرآن فجميعه فصيح فى غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا - وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير ، فانه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة وسواء تكررت أم لا وكلما تكور حلا وعلا ، لا يخلق عن كثرة الرد ، ولا يمل منه العلماء ، وان أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات فما ظنك بالقلوب الفاهمات وان وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان ، ويشوق الى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن كما قال فى الترغيب ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) وقال ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) وقال في الترهيب (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) (أ) أمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ( وقال فى الزجر : ( فكلا أخذنا بذنبه ) وقال في الوعظ ( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ( إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهى اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب ، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فانها خير يأمر به أوشر ينهى عنه ولهذا قال تعالى ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) الآية وان جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفى وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم بشرت به وحذرت وأنذرت ؛ ودعت الى فعل الخيرات واجتناب المنكرات ، وزهدت فى الدنيا ورغبت في الأخرى ، وثبتت على الطريقة المثلى ، وهدت الى صراط الله المستقيم ، وشرعه القويم ، ونفت عن القلوب رجس ) الشيطان الرجيم . ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ما من نبي من الأنبياء الا قد أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر وانما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة - لفظ مسلم - وقوله صلى الله عليه وسلم وانما كان الذى أوتيه وحيا أى الذى اختصصت به " $