— ٥٦ —
٥٦ - التي ني وهم الموصوفون بالآيتين بعدها ومنافقون وهم قسمان خلص وهم المضروب لهم المثل المنارى ومنافقون يترددون تارة يظهر لهم لمع الايمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائى وهم أخف حالا من الذين قبلهم وهذا المقام يشبه من بعض الوجوة ما ذكر في سورة النور من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب درى وهى قلب المؤمن المفطور على الايمان و استمداده من الشريعة المخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله ثم ضرب مثل العباد من الكفار الذين يعتقدون أنهم - على شيء وليسوا على شيء وهم أصحاب الجهل المركب فى قوله تعالى ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) الآية ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط وهم الذين قال تعالى فيهم ( أو كظلمات في بحر الجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( فقسم الكفار ههنا إلى قسمين داعية ومقلد كما ذكرهما في أول سورة الحج (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ) وقال ( ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) وقد قسم الله المؤمنين فى أول الواقعة وفى آخرها ، وفى سورة الانسان إلى قسمين سابقون وهم المقربون وأصحاب يمين وهم الأبرار فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان مقربون وأبرار وأن الكافرين صنفان دعاة ومقلدون وأن المنافقين أيضا صفان منافق خالص ومنافق فيه شعبة من نفاق كما جاء فى الصحيحين عن عبد ا الله بن عمر و عن ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا التمن خان » استدلوا به على أن الانسان قد تكون فيه شعبة من ايمان وشعبة من نفاق إما عملى لهذا الحديث أو اعتقادى كما دلت عليه الآية كما ذهب اليه طائفة من السلف وبعض العلماء كما تقدم وكما سيأتى ان شاء الله قال الامام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية يعنى شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أعلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الايمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه ) وهذا إسناد جيد حسن وقوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) قال محمد بن إسحق حدثني محمد ابن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) قال لما تركوا من الحق بعد معرفته إن الله على كل شيء قدير ) قال ابن عباس أى إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير . وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه محيط ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير : ومعنى قدير قادر كما معنى عليم عالم وذهب ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون أو في قوله تعالى ) أو كصيب من السماء ) بمعنى الواو كقوله تعالى ) ولا تطع منهم أنا أو كفورا ) أو تكون للتخيير أى أضرب لهم مثلا بهذا وان شئت بهذا قال القرطبي : أو للتساوى مثل جالس الحسن أو ابن سيرين على ما وجهه الزمخشرى ان كلا منهما مساو للآخر في اباحة الجلوس اليه ويكون معناه على قوله سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم (قلت) وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين فانهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من ا والأقوال فجعل هذين المثلين لصفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم والله أعلم كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفى الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى (والذين كفروا أعمالهم كراب بقيعة ) الى أن قال ( أو كظلممات في مهم الأفعال