— ١٢ —
ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها فى الوجه الثاني ، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة غير فاتحة الكتاب أم تجزىء هي أو غيرها ؟ على قولين مشهورين فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم ؛ أنها لا تتعين بل مهما قرأ به من القرآن أجزاء في الصلاة واحتجوا بعموم قوله تعالى ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة في قصة المسيء في صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له « إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر القرآن ( قالوا فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها فدل على ما قلنا من معك ) والقول الثانى ) أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزىء الصلاة بدونها ؛ وهو قول بقية الأئمة مالك والشافعي . وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء ، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج » والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث « غير تمام » واحتجوا أيضا بما ثبت فى الصحيحين من حديث الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » . وفى صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لا تجزيء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن » والأحاديث في هذا كثيرة ووجه المناظرة ههنا يطول ذكره وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك رحمهم الله رضی الباب. سم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون : إنما تجب قراءتها في معظم الركعات وقال الحسن وأكثر البصريين : إنما تجب قراءتها فى ركعة واحدة من الصلوات أخذا بمطلق الحديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى : لا تتعين قراءتها بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن والله أعلم . وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي عن أبى نضرة عن أبي سعيد مرفوعا « لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة فى فريضة أو غيرها » وفي صحة هذا نظر وموضع تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير والله أعلم ( والوجه الثالث ( هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء ( أحدها ) أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة ) والثاني ( لا تجب على المأموم قراءة بالكلية للفاتحة ولا غيرها لا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية لما رواه الامام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة ( ولكن في إسناده ضعف . ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه ؛ وقد روى هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم ( والقول الثالث ) أنه تجب القراءة على المأموم فى السرية لما تقدم ، ولا يجب ذلك فى الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا ؛ وإذا قرأ فأنصتوا ) وذكر بقية الحديث ، وهكذا رواه بقية أهل السنن أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( وإذ قرأ فأنصتوا ( وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا ، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ؛ والله أعلم . ورواية عن الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ـ والغرض من ذكر هذه المسائل ههنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجونى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل : الله أحد فقد أمنت هو شيء إلا الموت » تفسير الاستعاذة وأحكامها من كل . قال الله تعالى ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) وقال تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون * وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين