انتقل إلى المحتوى

صفحة:الصديقة بنت الصديق (1943) - العقاد.pdf/55

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.

— ٥١ —

وقد كانت بنت أبيها فى أكثر من خصلة واحدة من هذه الخصال النادرة بين الرجال والنساء ، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في خصلة الصدق التى بها اشتهر ومن أجلها نعت بالصديق وغلب هذا النعت عليه حتى أوشك أن ينسى الناس اسمه الذي دعاه به أبواه . وقد امتحن صدقها فى مآزق عسيرة البلاء للنفوس فتمحصت عن معدن كريم وعرق سليم ودلت على أصالة هذا الميراث النفيس من أبيها العظيم . ففى الغاشية التي أطبقت على العالم الإسلامي من جراء الخلاف على الخلافة تطايرت الأحاديث الموضوعة من هنا وهناك وتعمد أناس أن يصوغوا من عندهم حديثاً لكل حزب ينصره ويرضيه ويكبت خصمه ويخزيه . وافتن الوضاع فى محاكاة الأحاديث النبوية ذلك الافتنان الذي شقى به المحققون للروايات بعد ذلك بسنين ، وكانت السيدة عائشة تشترك فى خصومات المتخاصمين على الخلافة باختيارها أو تساق إلى المشاركة فيها على كره منها ، وكانت هى أول من يسمع له إذا روت يدمع خصومها ويعزز أنصارها ، ولكنها لم تنقل قط في كل ما ثبتت نسبته إليها حديثاً واحداً تمسه الشبهات من قريب أو بعيد ولا تؤيده الأسانيد الأخرى ، ولم تحرف كلمة واحدة إلى غير موقعها طواعية لإغراء تلك النوازع النفسية التي تطيش بالألسنة وتضلل العقول ، وهو امتحان ليس أعسر منه امتحان فى هذا الباب ، ولهذا كانوا يروون عنها الأحاديث فيقولون : حدثتنا الصديقة بنت الصديق حديثاً