انتقل إلى المحتوى

صفحة:الروض العاطر في نزهة الخاطر.pdf/39

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.

وبذل نفس ومال فقالت: حديثك شهى ونظرك بهي فلو كنت عن هذا نهى فقال لها حديثك يفوت وخبرك منعوت ووجهك في قلبي مثبوت وإن فارقتني لا شك أموت فقالت: تروح لمكانك وأروح لمكاني وإن قدر الله نراك وتراني ثم افترقا وتواعدا وسار كل واحد منهما إلى منزله فلم يطق الصبر وكان منزله منفردا خارج البلد التي هو بها وكان أبوه تاجرا عظيما له أموال لا تحصى يقال له حبرور وابنه هذا اسمه أبو الهيجاء وبينه وبين منزله يوم للمجد فلما جن الليل نزع ثيابه وركب جواده وتقلد سيفه واستصحب أحد عبيده يقال له ميمون وسار خفية تحت الظلام ولم يزل سائرا الليل كله إلى أن قرب الصبح فنزل على جبل ودخل في مغارة هناك وعبده ميمون وجواده ثم أوصى العبد على الجواد وخرج يسير إلى أن قرب إلى القصر الذي فيه الزاهرة فوجد قصرا زاهرا شاهقا فرجع وجعل يرصد من يخرج منه إلى أن تناصف الليل فنام رأسه على ركبة العبد فبينما هو نائم وإذا بالعبد ميمون يوقظه فقال: ما الخبر فقال يا سيدي إني أسمع حسا في داخل المغارة ورأى ضوءا قليلا فقام ونظر إلى الضوء فخرج هو والعبد وأتى إلى مغارة أخرى بعيدا عنها وقال لعبده اجلس حتى أرى ما الخبر ثم غاب ساعة وقصد المغارة التي كان بها ودخل أقصاها فوجد دهليزا فهبط إليه فإذا فيه ضوء يخرج من بعض الثقب فعمل عينه في ثقبه ونظر فإذا هو بتلك البنت ومعها ما يقرب من مائة بكر في قصر عجيب في ذلك الجبل وفيه أنواع الفرش المذهبة على ألوان شتى وهن يأكلن ويشربن ويتنادمن فقال للعبد ميمون: ائتني بأخي في الله أبو الهيلوج فركب العبد وسار الليل كله وكان أبو الهيلوج من أقرب أصحابه وأعزهم وهو ابن الوزير وكان أبو الهليوج وأبو الهيجاء والعبد ميمون لم يكن في زمانهم أقوى منهم أشجع وكانوا من الطغاة الذين لا طاقة لأحد عليهم في الحرب فلما وصل العبد ميمون أخبره بما وقع فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم ركب جواده ورفع أعز عبيده وسار إلى أن وصل المغارة فدخل وسلم عليه فأخبره بما وقع له من حب الزاهرة وأخبره بما وقع في قعر المغارة فتعجب أبو الهيلوج من ذلك وأخبره أيضا أنه أراد الهجوم على قصرها فوجده نافذا إلى هذه المغارة تحت الأرض فلما جن الليل فلما سمع لغط وكثرة الضحك والحديث فقال له ادخل وانظر لكي تغدر أخاك فدخل ونظر فافتتن من حسنها وجمالها فقال له: من الزهرة من هذه البنات الأبكار فقال: هي صاحبة القد البهي والمبسم الشهي صاحبة الخد الأحمر والتاج المجوهر والجبين الأزهر والحلة المذهبة والكرسي المرصع الذي ترصيعه كثير ومساميره من فضة وأحلاقه من ذهب التي يدها على ثغرها فقال: إني رأيتها بينهن كالعلم ولكن يا أخي أخبرك شئ أنت عنه غافل قال ما هو؟ قال: يا أخي لا شك أن هذا القصر عندهن للخلاعة لأنهن يدخلن من الليل إلى الليل وهو محل خلوة وأكل وشرب وخلاعة وإن حدثتك نفسك أن تصل إليها من غير هذا المكان فإنك لا تقدر على شئ لأنها مولعة بحب البنات فلذلك لا تلتفت إليك ولا إلى صحبتك فقال: يا أبا الهيلوج ما عرفتك إلا عارفا ناصحا ولهذا بعثت لك لأني لم أستغن عن رأيك ومشورتك فقال له: أخي لولا الله من عليك بهذا المكان لما كنت تتصل بها أبدا ولكن من هنا يكون الدخول لهذا القصر إن شاء الله فلما أضاء الصباح أمر العبيد بحفر ذلك المكان فهدموا منه قدر الحاجة ثم إنهم غيبوا خيولهم في مغارة وزربوا عليها من الوحوش واللصوص ثم رجعوا ودخلوا هم والعبيد لتلك المغارة وبلغوا الى القصر وكل واحد منهم بسيفه ودرقته وردوا الثقب كيف كانت ودخلوا القصر فوجدوه مظلما فقدح أبو الهيلوج الزناد وأشعل شمعة كانت هناك وجعلوا يدورون يمينا وشمالا فوجدوا فيه عجائب وغرائب وفرش عجيبة ومساند على كل لون وثريات وموائد وأطعمة ولشربة وفواكه وفرش عظيمة فتعجبوا من ذلك وجعلوا يدورون فيه ويعدون منازله فوجدوا فيه منازل كثيرة ووجدوا في آخره باب داخله خوخة صغيرة مقفولة بقفل فقال أبو الهيلوج أظن هذا هو الباب الذي يدخلن منه ثم قال: يا أخي تعالى نمكث في بعض منازل هذا القصر فمكثوا في منزل عظيم مستور عن الأبصار إلى أن أتى الليل وإذا بجارية فتحت الخوخة وخرجت وبيدها شمعة فأشعلت تلك الثريات جميعا وسارت الفروش ونصبت الموائد وأحضرت تلك الأطعمة وصفقت الأقداح وقدمت تلك الزجاجات وبخرت بأنواع الطيب فلم تكن إلا ساعة وإذا بتلك الجواري والأبكار يدخلن يتبخترن في مشيهن على الفراش ومدت الموائد بالأطعمة فأكلن وشربن وغنين بأنواع الألحان فلما امتلأن خمرا

39