وحَمَوا حواشيها وهذبوها وصقلوا غروبها وأرهفوها فلا تَرَين أن العناية اذ ذاك انما هي بالالفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه وتشريف، ونظير ذلك اصلاح الوعاء وتحصينه وتزكيته وتقديسه، وانما المبْغِيُّ بذلك منه الاحتياط للموعي عليه وجواره بما يعطر بنشره ولا يُعَرُّ جوهره، كما قد نجد المعاني الفاخرة السامية ما يُهَجِّنُه ويغض منه كُدْرةُ لفظه وسوءُ العبارة عنه، فكأَن العرب انما تحلي ألفاظها وتُدَبِّجُها وتُشِيها وتزخرفها عناية بالمعاني التي ورائها وتوصلاً بها الى ادراك مطالبها، وقد قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم «ان من الشعر لحكمة وان من البيان لسحراً» فاذا كان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم، التي جعلت مصائدَ وأشراكاً للقلوب وسُلَّماً الى تحصيل المطلوب، عُرِف بذلك أن الالفاظ خدم للمعاني والمخدوم أشرف من الخادم ثم قال ويدلك على تمكن المعنى في أنفسهم وتقدمه للفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة، وذلك لقوة العناية به فقدموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنه عندهم، وعلى ذلك تقدمت حروف المضارعة في أول الفعل اذ كُنَّ دلائل على الفاعلية من هم وما هم وكم عِدَّتُهم نحو أفعل وتفعل وتفعل ويفعل وحكموا بضد هذه الصناعة اللفظية، فحروف المعاني عند العرب بابها التقدم وحروف الالحاق والصناعة بابها التأخر، فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم وعلوه في تصورهم الا بتقديم دليله وتأخر دليل نقيضه المكان مُغنِياً من غيره كافياً»
الكناية
ومن مفاخر لغة العرب الكناية، قال الزمخشري «لم تكن الكنى لشي من الأمم الا للعرب وهي من مفاخرها، والكنية اِعظام وما كان يؤَهَّل لها الا ذو الشرف من قومه قال:
والذي دعاهم الى التكني الاجلال عن التصريح بالاسم بالكناية عنه