انتقل إلى المحتوى

صفحة:التهذيب في أصول التعريب (auc aco001146).pdf/76

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
- ٧٢ -

فاكرم مثواهم وأخلصوا له الوفاء وانتسبوا الى النسطورية وصارت نصيبين مركزاً لنشاطهم، وبذلك أخذت المسيحية شكلا شرقياً بحتاً، وانتشر المبشرون النسطوريون يبثون تعاليمهم في كل مكان حتى كانت أكثر الامم البعيدة عن مملكة الروم يتعلمون المسيحية بالشكل النسطوري، ولم يكن هَمُّ السريان حينئذ تعلم المسيحية فقط بل كانت همتهم متجهة كذلك الى شرح المسائل الخاصة بالمسيح عليه السلام وشخصه والاقانيم، فكان لا يمكنهم ذلك طبعاً بغير مساعدة العلم النظري والفلسفة اليونانية فلسفة أرسطو وأفلاطون، ولا سيما منطق أرسطو الذي هو الأداة الثمينة للجدل والمناظرة، فتحتم على كل مبشر منهم أن يكون ذا علم والمام بفلسفة يونان، وغرضهم الاكبر ايجاد لاهوت وطني سرياني مستقل عن اللغة الأَغريقية، فبدأوا أولا بنقل الكتب الدينية الكنائسية الى السرياني، لان جميع الطقوس الدينية الكنائسية كانت تؤدى في الصلاة وغيرها باللغة اليونانية ولما كانوا يريدون محاربة الكنيسة اليونانية والابتعاد عنها بكل وسيلة فقد نقلوا الى لغتهم السريانية كتب العلم اليوناني ككتب أرسطو وشروحها وغيرها من كتب الفلسفة والرياضيات، فانتقلت بهذا العمل العظيم علوم يونان الى آسيا، وكان هذا أول نقل للعلم من الغرب الى الشرق، وكان ذلك في الزمن السابق مباشرة على ظهور الاسلام وهؤلاء السريان أنفسهم الذين نقلوا علم يونان الى السريانية كانوا هم البادئين كذلك بنقل هذه العلوم الى العربية اما من السريانية الى العربية أو من اليونانية رأساً الى العربية، وذلك في بدء النهضة العربية، ولم يقتصر نقل هؤلاء الفلاسفة على الفلسفة واللاهوت بل تعداهما الى الطب والكيميا والفلك، وكانت علوم الطب والعلوم الطبيعية قد نقلت الى مدرسة الاسكندرية التي كان من أكبر أساتذتها يحيى النحوي وفولس الأجانيطي Paul d’Egine وآهرون القس، واختير من كتب الطب للتدريس الستة عشر كتابا لجالينوس، وكلها مُعَلَّقة بعضها ببعض وهي التي شرط جالينوس على طالب الطب حفظها والاحتفال بها، ولا