النصرانية مدينة انطاكية، والنصارى يدعونها مدينة اللّٰه ومدينة الملك وأم المدن، وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وسمعان خليفة أيشوع الناصرى، ثم دخل شمعون الضيا مدينة رومية وسقف بها وديَّرها سنين، ودانت له امرأة الملك فروطانيقي، وهي التي أخرجت الخشبة التي تظن النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت في أيدي اليهود في أورشليم فأخذتها منهم وردتها على النصارى
وفي حكم نيرون قتل بطرس وبولس برومية وصلبا منكسين وذلك بعد المسيح باثنتين وعشرين سنة
وما زال اليهود والنصارى في اضطهاد وتقتيل وأذى وتشريد من ملوك الروم في فلسطين وغيرها ثم ردٍّ للتماثيل التي جعلها الصابئون مُثُلاً للجواهر العلوية والاجسامِ السمائية التي هي وسائط بين العلة الاولى عندهم وبين الخليقة في العبادات الى أن دان قسطنطين بن قُسْطَنس (المولود سنة ٢٧٤ ب م)، ويعرف بأمه هيلاني، باني القسطنطينية بدين النصرانية، ودعا الروم الى التشرع به، فأطاعوه وتنصروا عن آخرهم، ورفضوا دينهم من تعظيم الهياكل وعبادة الأوثان، ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى الى أن دخل فيه أكثر الامم المجاورة لمملكة الروم وجميع أهل مصر وأهل الحبشة والنوبة
وبعد أن بنى القسطنطينية وبالغ في تحصينها واحكام بنائها جعلها دار مملكته وأضيفت الى اسمه، ونزلها ملوك الروم بعده، وما زالوا بها حتى افتتحها المسلمون
في جميع هذه الأطوار حصل تغيير كبير في الفلسفة، وتنوعت مذاهبها، وانحرفت وجهتها عن الجهة التي كانت عليها في عهد الالٰهين، فان فلاسفة الاسكندرية وغيرها من البلاد المجاورة أرادوا مزج فلسفة أفلاطون ببعض المذاهب التصوفية التي نتجت من انتشار النصرانية، وهذا الاتحاد بين الفلسفة والتصوف هو المعبر عنه بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة Neoplatonisme، ورأس هؤلاء الفلاسفة الذين عملوا على هذا الاتحاد أمونيُوس الاسكندري Ammonius (المتوفى سنة ٢٤١ ب.م)، فانه أراد في أول الامر التوفيق بين فلسفة أفلاطون