انتقل إلى المحتوى

صفحة:التهذيب في أصول التعريب (auc aco001146).pdf/57

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
-٥٣-

هو بشاعر، قد عرفنا الشعرَ كله رجَزَهُ وهَزَجه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه ما هو بشاعر، قالوا فنقول ساحرٌ قال ما هو بساحر ولا نفْثِهِ ولا عَقْدِه، قالوا فما نقول، قال ما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إِلَّا وأنا أعْرِفُ أنه باطل وأن أقربَ القول أنه ساحرٌ فإنه سِحْرٌ يُفرِّق بين المرء وابنه والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته، فتفرقوا وجلسوا على السُبُل يُحذِّرون الناس، فأنزل الله تعالى في الوليد «ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً» الآيات، وقال عُتْبةُ بن ربيعة حين سمع القرآن يا قومِ لقد علمتم أني لم أترك شيئاً الا وقد علمتُه وقرأتُه وقلته والله لقد سمِعتُ قولاً والله ما سمعتُ مثلَه قطُّ، ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وقال النَضْرُ بن الحرِث نحوه، وفي حديث اسلام أبي ذر ووصف أخاه أُنَيساً فقال والله ما سمعتُ بأشعرَ من أخِي أُنَيْسٍ لقد ناقَض اثني عشر شاعراً في الجاهلية أنا أحَدُهُم وأنه انطلق الى مكة وجاء الى أبي ذرّ بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، قلتُ فما يقول الناس، قال يقولون شاعرٌ كاهنٌ ساحِرٌ لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعتُه على أقْرَاءِ الشعرِ فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنهُ شعرٌ وإِنه لصادقٌ وأنهم الكاذبون، والأخبارُ في هذا صحيحةٌ كثيرةٌ، والاعجازُ بكل واحد من النوعين الايجازُ والبلاغةُ بذاتهما، والأسلوبُ الغريبُ بذاته كل واحدٍ منهما نوع اعجاز على التحقيق، لم تقدر العربُ على الاتيان بواحدٍ منهما اذْ كل واحدٍ خارج عن قدرتها مباينٌ لفصاحتها وكلامها، والى هذا ذهب غيرُ واحد من أئِمة المحققين، وذهب بعض المقتَدَى بهم الى أن الاعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب، وأتى على هذا بقول تَمُجُّه الأسماعُ وتَنْفِرُ منه القلوبُ، والصحيحُ ما قدمناهُ والعلمُ بهذا كله ضَرُورَةً وقطعاً، ومن تفَنَّن في علوم البلاغة وأرهف خاطِرَه ولسانه أدَبُ هذه الصناعة لم يخفَ عليه ما قلناه، وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه، فأكثرهم يقول انه مما جَمع في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه وحسن نظمه وایجازه وبدیع تأليفه