فطنًا لما أكسبهم اياه صفاءُ الجو ونقاء الفضاء، لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار بما يرتفع اليه ويتلاطم في عرصاته واقفة من جميع المستحيلات والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد اليه وكذلك تراکیب الأقذاء والأدواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجسامهم وتضاعفت في أشعارهم وأنثارهم ففضلت العرب على سائر ما عداها من بوادي الامم المعترضة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتياد المواطن
٦ – باب في النسب في العرب
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه (المتوفى سنة ٣٢٨هـ) «النسب سبب التعارف وسلم الى التواصل، به تتعاطف الأرحام الواشجة، وعليه تحافظ الأواصر القريبة» والعرب هم أوثق الأمم في معرفة أنسابهم وأشدهم محافظة على كیان بيوتاتهم، وبهذا التمسك بحفظ النسب يتفاضلون بعضهم على بعض ويتفاخرون بقبائلهم وبيوتاتهم، فللعرب حفظ الأنساب وما يعلم أحد من الأمم عني بحفظ النسب عناية العرب، ولهم في ذلك نوادر عجيبة تدل على ما كان لهم من الهمة والولع بحفظ الأنساب نذكر من الحكاية الاتية:
ذكروا أن يزيد بن حسان بن علقمة بن زرارة بن عدس قال: خرجت حاجاً حتى اذا كنت بالمُحصَّب من منى اذا رجل على راحلة معه عشرة من الشباب مع كل رجل منهم محجن ينحون الناس عنه ويوسعون له، فلما رأيته دنوت منه فقلت ممَّن الرجل قال رجلٌ من مهرة من الشِّحْر قال فكرهته ووليت عنه، فناداني من ورائي ما لك قلت لست من قومي ولست تعرفني ولا أعرفك، قال ان كنت من كرام العرب فسأعرفك قال فكررت عليه راحلتي فقلت اني من كرام العرب قال ممن أنت قلت من مُضَر قال فمن الفرسان أنت أم من الأرجاء فعلمت أنه أراد بالفرسان قَیْساً وبالأرجاء خِنْدِفاً، فقلت بل من الأرجاء قل أنت امرؤ من خِنْدِف قلت نعم قال من الأرومة أنت أم من الجماجم، فعلمت أنه أراد بالأرومة خُزَيْمة