والقاف لصلابتها لليابس حذواً لمسموع الاصوات على مسموع الاحداث
وكانت الاصول في أول الأمر ثنائية فلما ارتقت اللغة واحتاجوا الى زيادة التمييز تكونت اذ ذاك الأصول الثلاثية لتعتدل الكلمة وتتكون من ثلاثة أصول أو أصوات أو حروف حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحرف يوقف عليه، لذلك كان الثلاثي هو أكثر الأصول استعمالا وأعدلها تركيبا.
واختيار الحرف الذي يكمل الصوت في أول الكلمة أو في آخرها مبني على تركيب اللسان وسمو طبع العربي وقوة قريحته، فمثلا الصوت غر وهو صوت يشبه صوت نزول الماء فاستبدلوا القاف باحدى راآته فصار غرق ودلوا به على معناه المتعارف والقاف شديدة صلبة تشبه الحدث المسامت لها وخر استبدلوا القاف باحدى الراآت فقالوا خرق واستبدلوا الباء باحدى الراآت وقالوا خرب وفيهما معنى الزوال والفقد فالحروف التي زيدت مشاكلة لاصوات الاحداث
وكذلك خرت وخرج وخرز وخرس وخرش وخرص وخرط وخرع وخرف وخرم وكلها قريبة المعاني عظيمة المشاكلة بين اللفظ والحدث فالتاء أخف من الجيم والزاي كالسين الا أن السين أخف وفيها منى السكون والخفة والشين فيها عنف وشدة وخرش فيها منى الشدة، والصاد أقوى من السين فدات على حركة فى الكلام غير مألوفة والعين شديدة وخرع فيها معنى الشق والشدة والفاء خفيفة وخرف فيها معنى التقلقل والاضطراب. فانظر كيف كان تغيير الحرف واختياره سبباً في تغيير المعنى مع بقاء الارتباط دائما بين الصوت والحدث
وكلما نمت اللغة وترعرعت أخذت فى الاتساع لسد الحاجة للمعاني المتزايدة وكفاية الدلالة على الاحداث المتكاثرة فأحدثوا في اللغة ما سماه علماؤها «تصاقب الالفاظ لتصاقب المعاني» أي تقارب الالفاظ التقارب المعنى على نسق ما ذكرنا
قال ابن جني «غور هذا من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به وأكثر كلام العرب عليه». وهو على أضرب منها استبدال الحروف المتآلفة بعضها مكان بعض ومنها التقديم والتأخير في الحروف ومنها اقتراب الأصلين الثلاثيين مع بعض الزيادة في بعضها