بالمشاهدة والايماء والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحداً من عباده على شيء إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد معها من ايماء واشارة بالجارحة نحو المومى اليه والمشار نحوه والقديم سبحانه لا جارحة له فيصح الايماء والاشارة بها منه فبطل عندهم أن تصح المواضعة على اللغة منه تقدست أسماؤه
قال ابن جني: «ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها انما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيح الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل»
والمتأمل في الفاظ هذه اللغة يجد أن كثيراً منها أصوله مضاهية بأجراس حروفها أصوات الافعال التي عبر بها عنها، فهي في الاصل تقليد للطبيعة في أصواتها وحركاتها ومحاكاة للطبيعة الجامدة والطبيعة الحية أي للجماد والحيوان سواء وكل كلمة منها مؤلفة من أصول هي عبارة عن مجموع وحدات صوتية متكررة مماثلة للطبيعة. وهذه الاصول الصوتية التقليدية لم تكن في الابتداء ثلاثية المقاطع كما يرى الآن في أكثر الفاظ اللغة بل انها كانت في مبدأ أمرها مجموعة أصوات بسيطة متجانسة لا شكل لها اكتسبت فيما بعد بالنشوء والترقي شكلا ثلاثي الحروف
فمثلا صوت الشيء المجرور المتحرك بشدة على العموم ر ر ر ر ر ر ر ر
وصوت الشيء المتحرك بلطف س س س س
وصوت الجرم الرنان ن ن ن ن ن ن
وصوت المقاومة والشدة د د د د د د د د
ولما كان لا سبيل إلى النطق بالحرف الواحد مجرداً من غيره ساكنا كان أو متحركا لزمه أن يدخل عليه من أوله حرف ليجد سبيلا إلى النطق به، وكانوا يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواته بالاحداث المعبر عنهما بها ترتبها وتقديم ما يضاهي أول الحدث وتأخير ما يضاهي آخره وتوسط ما يضاهي أوسطه سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب