٥٨
بن كنّون على الحاكم، فاقبل عليه وعفى عنه ووفى بعيده وأوسع له ورجاله في العطاء واجرا عليهم الجرايات الكثيرة والخلع الرفيعة، واثبت جميع أهله ورجاله في ديوان العطاء، وكانوا سبع مائة رجل النجاد؛ يعدون بسبعة الاف من غيرهم، واسكنه قرطبه،
فبقى الحسن بن كنّون بقرطبة الى سنة خمس وستّين وثلاث مائة، وكان له قطعة عنبر غريبة الشكل كثيرة الجرم، ظفر بها في بعض سواحله من بلاد العدوة أيام ملكه بها، فسواها منشورة يتوسّد بها، فبلغ أمير المومنين الحاكم خبرها، فسله حملها اليه، وضمّنها الى دخائره على أن يرضيه عنها بحكمه، فامتنع من ذلك، وأبى أن يسلمها اليه، فنكبة عليها وأخذ أمواله وسلبه من جميعها، وأخذ القطعة، فبقيت في خزانته الى ان ظهر علىّ بن حمود الحسنيّ على ملك الاندلس، ودخل قرطبة وسكن القصر وظفر ببني امية، فاصاب تلك العنبرة متاع ابن عمه الحسن في الخزانة؛ قد أعفنتها الايام حتّى صارت إلى أيدي العلويّة أربابها، ولمّا نكب الحاكم الحسن بن كنّون، وأخذ أمواله امر به وبالعلوية، فاخرجوهم من قرطبة، واجلاهم الى المشرق، فجوزوا من المرية إلى تونس ليستريح من نفقاتهم؛ وذلك في سنة خمس وستّين وثلاث مائة، فسار الحسن وبنو عمّه الى مصر، فنزلوا بها على نزار بن معدّ، فاقبل عليهم نزار وبالغ فى اكرامهم، ووعد للحسن النصرة والاخذ بثاره، فاقام عنده مدّة طويلة إلى أن دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة في أيام هشام المؤيّد، فكتب له نزار بن معدّ بعبده على المغرب وأمر عامله بافريقيّة بلقّين بن زيرى بن مناد أن يقوّيه بالجيوش، فسار الحسن الى بلقين، فاعطاه جيشا؛ من ثلاثة الاف فارس، فافتتح بهم بلاد المغرب، فسارعت اليه قبائل البربر بالطاعة، فشرع في اظهار دعوته، فاتّصل خبر بالمنصور بن ابی عامر حاجب هشام المؤيّد والقائم بملكه، فبعث اليه ابن عمّه الوزير؛ أبا الحاكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر في جيش كثيف، وقلده أمر المغب وسائر اعماله، وأمره بحرب الحسن بن كنّون، فنفذ لوجهه وجاز البحر إلى سبتة، وخرج الى حرب الحسن، فاحاط به وحصره أياما ثم جوّز المنصور بن أبي عامر ولده عبد الملك فى انار الوزير أبى الحاكم فى جيوش كثيرة ممّدا له، فلمّا رءا ذلك الحسن بن كنّون، سقط فى يده ولم يجد حيلة، فطلب الامان على نفسه على ان يسير إلى الاندلس، كمثل حاله الأوّل، فاعطاء الوزير أبو المحاكم من ذلك ما وثق به وكتب الى ابن عمه المنصور خبره فامره بتعجيله الى قرطبة موكلا به، فبعثه، ووصل الخبر إلى المنصور بقدومه وجوازه، فلم يمض امان ابن عمّه وانفذ اليه من يقتله في طريقه، فقتل وقطع راسه ودفن جسده وحمل الرأس إلى المنصور وذلك في جمادى الأولى سنة خمس