ضعفت دولة الموحدين وظهر فيها النّقص وتبين أمى تبين و حمارت ملوكهم ليس لهم حكم في البوادي، وأنما سلطانهم وأمرهم في المدائن خاصّة، وكثرت الفتن بين القبائل، واشتدّ الخوف في الطرقات والمشاهد، ونبذ أكثر الناس الطاعة، وفارقوا الجماعة. وقالوا: لولاتهم لا سمع ولا طاعة، فاستوى الدني والشريف، وأكل القوى الضعيف، وكان من قدر على شيء صنعه، ومن أراد شرّا ابتدعه ليس لهم سلطان يكفّهم ولا أمير يردّهم ويصدّهم، وكانت قبائل فازان من جناتة وقبائل العرب والبربر؛ يقطعون الطرقات ويغيّرون على القرى والمجاشر مع الاحيان والاوقات، فلما وعا الامير ابو سعيد بن عبد الحقّ ملوك الموحدين قد ضعفت دولتهم، وضيعوا حرمتهم واهملوا راعيتهم، واعتكفوا في قصورهم، واحتجبوا عن مهمّات أمورهم، واشتغلوا بالخير والغواني، وتلذّذوا باللهو وسماع الاغانى، ورعا أن ضلالهم قد تبيّن وغزوهم على من له قوة قد تعيّن وخلعهم أوجب الوجائب لعجزهم عن القيام بالحقّ الواجب، فجمع اشياخ مرين وندبهم الى القيام بأمر الدين والنظر فى مصالح المسلمين، فوجدهم الى ذلك مسرعين، فسار بجيوشهم الوافرة وجنودهم المنصورة الظافرة في بلاد المغرب وقبائله وجباله وأوديته ومناهله، فمن سارع الى بيعته ودخل فى طاعته ءامنه ووضع عليه الخراج وتركه أمنا منيعا، ومن خادعه ونابذه أباده نهبا وقتلا وغادره سريعا، فكان أوّل من بايعه من قبائل بالمغرب هوارة وزجارة ثم تسول ومكناسة ثم بطوية وفشتالة ثم سدراتة وبهلولة ومديونة، فوضع عليهم الخراج واخرج لهم الحفاظ، وصالح اهل مدينة فاس ومكناسة ورباط تازا وقصر عبد الكريم على أموال معلومة يودونها اليه في كلّ سنة على أن يــومن بلادهم، ويرفع عنهم الغارات، ويرفع عنهم اذى من كان يوذيهم من القبائل، وفى سنة عشرين وستّ مائة غزا الامير أبو سعيد بلاد فازان و من بها من قبائل جناتة، فانخن فيهم حتى انحنوا له بالطاعة، وكفّوا أذاهم عن الناس، واستكفّوا عن الفساد، وفى سنة احدى وعشرين غزا من بفحص أزغار من القبائل والعرب، فابادهم واخلا البلاد منهم وكان رحمه الله شديد الحزم ذا نجدة وشجاعة، وعزم له رای سدید وعضد شديد وكرم وايثار وحماية الدمار وحفظ للجار وحياء والدين والفصل مستبين معظما للفقهاء مكرما للصلحاء، سلك بذلك منهاج أبيه وطريقته، ولم يزل على ذلك حتّى توفّى رحمه الله، اغتاله علي كان له رباه صغيرا ضربه بحربة في منكرة فات من حينه وذلك في
صفحة:الأنيس المطرب بروض القرطاس (1917).pdf/193
المظهر