١٨٧
و فوّض اموره الى وزرائه و اشياخ دولته فتحاسدوا فيما بينهم على الرياسة و ناقض بعضهم بعضا تكبّرا و نفاسة و ادرك رؤساءهم الاعجاب فاضاعوا الامور و غلظوا الحجاب و قطعوا الارحام و جاروا فى الاحكام و ولّوا امورهم سفلتهم و تحكم عليهم اسرارهم فبدا الفساد فى ملكهم و ظهر النقص فى دينهم و بلادهم و ولّت ايامهم و ادبرت سعودهم فجعل الله باسهم بينهم و بعث لفنائهم عصبة مرين و ايّدهم عليهم فاصبحوا ظاهرين و مكّنهم فى الارض و جعلهم ايمة و جعلهم الوارثين و كان بنوا مربن اهل تصميم و صحّة يقين يسكنون القبلة من زاب افريقية الى سجلماسة ينتقلون فى تلك البرارى و القفاز و لا يودّون لامير درهما و لا دينارا و لا يدخلون تحت حكم سلطان و لا يرضون بذلّ و لا هوان لهم همم عالية و نفوس سامية لا يعرفون الحرث و لا التجارة و لا يشتغلون بغير الصيد و طراد الخيل و الغارات جلّ اموالهم الخيل و الابل و الخول و طعامهم اللحم و اللبن و العسل و كانت طائفة منهم يدخلون بلاد المغرب فى زمان الصيف يكتالون ميرتهم و يرعون انعامهم فاذا توسّط الخريف اجتمعوا ببلاد اجرسيف ثم يشدّون رحالهم و ينصرفون الى بلادهم كان ذلك دابّهم على مرّ الزمان و تعاقب الاحيان، فلمّا كان فى عام عشرة و ستّ مائة أتوا على عادتهم من البرية فوجدوا المغرب قد باد اهله و رحاله و فنا خيله و رجاله و ابطاله و مات الكلّ بغزوة العقاب و استولى على بلادهم الخراب و عمرتها السباع و الذياب فاقاموا بمكانهم و بعثوا الى اخوانهم فاخبروهم بحال البلاد و خصبها و طيب مزارعها و سعة مراعها و كثرة مياهها و مشارعها و التفات اشجارها و غزر ثمارها و اطراد عيونها و انهارها فاسرعوا اليها فليس بها من يصدّكم عنها و لا ينازعكم فيها فوصل الخبر الى مرين فبادروا الى المغرب منقلبين و على الله عزّ و جلّ فى امورهم متوكّلين يقطعون المهامة و السباسب على ظهور الخيل و النجائب يرومون الدنو و البلاغ حتى وصلوا الى واد تلاغ فدخلوا المغرب من تلك الباب بالخيل و الابل و المراكب و القباب فى جيوش كالسيل و الليل المغمر و امم كالنمل او كالجراد المنتشر و ذلك لامر قد قدر و ليظهر ما كان فى الغيب مجهولا و ليقضى الله امرا كان مفعولا
و قال ابو فارس فى رجزه