١٦٨
سير المهدي وما كان ابتدعه للموحدين وجرى عليه عملهم وسير ملوكهم وأمر بإسقاط إسم المهدي من الخطبة وإزالته عن الدنانير والدراهم ودوّر الدراهم المركنة التى كان ضربها المهدي وقال كلّ ما فعله المهدي وتابعه عليه أسلافنا فهو بدعة ولا سبيل لإبقاء البدع ثم دخل قصره فاحتجب فيه عن الناس ثلاثة أيام ثم خرج فى اليوم الرابع فأمر بأشياخ الموحدين وأعيانهم فحضروا بين يديه فقال لهم يا معشر الموحدين إنكم قد أظهرتم علينا العناد وأكثرتم فى الأرض الفساد ونقضتم العهود وبدلتم حربنا المجهود وقتلتم الإخوان والأعمام ولم تراعوا عهدًا ولا ذمامًا ثم أخرج لهم كتب بيعتهم التى بعثوا له وبيّن لهم عهدهم الذى نكثوا فوقعت الحجّة على جميعهم فبهتوا وسقط في أيديهم فردّ رأسه إلى قاضي المكيدي وكان بإزائه قد قدم معه من إشبيلية فقال له ما ترى أيها الفقيه فى أمر هؤلاء الناكثين فقال يا أمير المؤمنين الله تعالى يقول فى كتابه المبين ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال صدق الله العظيم نحن نحكم فيهم بحكم الله تعالى فإنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون فأمر بقتل جميع أشياخ الموحدين وأشرافهم فقتلوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد ولم يراع والدًا ولا ولدًا حتى أنه أتى إليه بولد أخته وهو صبي صغير ابن ثلاث عشرة سنة وكان قد حفظ القرآن فلما قدم ليقتل قال له يا أمير المؤمنين اعف عني لثلاث قال ما هنّ فقال صغر سنّي وقرب رحمي منك وحفظي لكتاب الله العزيز فنظر إلى القاضي المكيدي كالمستشير له ثم قال له كيف رأيت قوّة جأش هذا الغلام وإقدامه على الكلام في هذا المقام فقال له القاضى يا أمير المؤمنين إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارًا فأمر به فقتل ثم أمر بتعليق الرؤس على أسوار المدينة فعلقت بدائرها فكانت حسبتها أربعة آلاف رأس وستّ مائة رأس وكان زمان الصيف فنتنت منها المدينة وتأذى الناس من روائحها فرفع إليه ذلك فكان من جوابه أن قال هنا مجانين وتلك الرؤس لهم أحراز لا يصلح حالهم إلا بها وإنها لعطرة عند المحبّين ونتنة عند المبغضين ثم أنشد ارتجالًا