انتقل إلى المحتوى

صفحة:الأنيس المطرب بروض القرطاس (1917).pdf/158

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
١٥٧ 

فَانفرد هو بالخدمة هو ورجل معدل يعرف بابن منسا فكان الناصر لا يقطع أمرًا إلا بمشاورتهما فلما أمر الناصر بهذا الحصن يريد قشتيلة تعجب من منعته فقال له يا أمير المؤمنين لا نتجاوزه حتى نفتحه فيكون أوّل الفتح إن شاء الله تعالى ويقال أنه أقام على ذلك الحصن حتى عشش الخطّاف فى خبائه وباض وأفرخ وطار فراخه من طول مقامه فأقام على ذلك الحصن ثمانية أشهر ودخل فصل الشتاء واشتدّ البرد وقلّت العلوفات وفنيت أزواد الناس ونفدت نفقاتهم وكلّت عزائمهم وفسدت نياتهم التي قصدوا بها للجهاد وقنط الناس من المقام وتقطعت المدد من المحلّة فغلت الأسعار فلما تحقّق عدوّ الله الفنش ذلك دلّه وعلم أنّ شوكة المسلمين قد تكسّرت والجدّة التى قدموا بها قد خمدت فانفجر لطلب الثأر ورفع صلبانه سعارا فى جميع بلاد الكفّار فجاءت ملوك الروم في جيوشهم مستعدّين فى غاية الإستعداد وقد شمروا للطعان والجلاد وأقبلت نحوه عباد شنتمربة وأظهر حمية الجاهلية فلما أشرفت على الفنش جيوشه وحشوده وتكاملت لديه ووفوده أقبل فى جيوشه حتى نزل ثغرا من ثغور المسلمين تسمّى قلعة رياح كان فيها القائد الأجلّ المشهور البطل الشجاع المذكور أبو الحجاج بن قادس فى سبعين فارسا من المسلمين يضبط بهم ذلك الثغر فحاصره وشرع فى قتاله وضيّق عليه تضييقا كثيرا وابن قادس صابر لقتاله يبعث فى كلّ يوم كتابا إلى أمير المؤمنين الناصر يعلمه بحاله ويستنصره على أعدائه وهو على أشدّ حصره فكانت كتبه إذا وصلت الوزير حبسها ولم يطلع عليها أمير المؤمنين لئلا يقلع عن الحصن قبل أن يفتحه وكان ذلك غشا منه لأمير المؤمنين الناصر ولجميع المسلمين فإنه لم يكن يخبره بشاء من أخبار بلاده ولا من أمور رعيته ويخفى عنه مهمّات الأمور التى لا ينبغي أن يغفل عنها ولا يتناول بها فلما طال الحصار على إبن قادس وفنى ما كان عنده بالحصن من الأقوات والسهام ويئس من الإعانة وخشى أن يدخل الحصن على من به من المسلمين والعيال والذرّية أسلمه إلى الفنش على أن يسلم جميع من فيه من المسلمين فلما خرج المسلمون من حصن قلعة رياح وملكه العدوّ وسار إبن قادس إلى أمير المؤمنين فتبعه صهره وكان مثله فى النجدة فعزم عليه إبن قادس أن يرجع ويتركه وحده فقال له ارجع فأنا والله مقتول لا محالة ولا أعيش بعد هذا أبدا ولكنّي بعت نفسي من الله تعالى بسلامة من كان فى الحصن من المسلمين فأبى أن يرجع وقال له لا خير فى الحياة بعدك فلما وصلا إلى محلّة الناصر تلقاهما قواد الأندلس