انتقل إلى المحتوى

صفحة:الأنيس المطرب بروض القرطاس (1917).pdf/157

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
١٥٦ 

صندوق من ذهب علوا مسكنا تعظيما له واجلالا لحقّه وأمر أمير المومنين الناصر أن يجعل له بروزا من باب مدينة قرمونة إلى باب إشبيلية فاصطفّت الخيل والرجال أمامها عن اليمين و الشمال صفّين بالثياب الحسنة والعدّة الكاملة والسيوف المضية والرماح المشرعة والقسى الموثورة من قرمونة إلى إشبيلية أربعين ميلا ونحوها فخرج ملك بيونة يمشى تحت ظلال سيوف المسلمين ورماحهم فلما قرب من إشبيلية أمر أمير المومنين الناصر بالقبّة الحمرا أن تضرب له بخارج المدينة مما يلي قرمونة ويجعل له فيها ثلاثة مراتب ثم سأل عمّن يحفظ لسان العجمية من القواد فقيل له أبو الجيوش عسكر فأمر بإحضاره فحضر بين يديه فقال له يا أبا الجيوش إنّ هذا الكافر قد قدم علىّ و لا بدّ من إكرامه فان قمت له عن مجلسي إذا دخل كنت قد تدممت وخالفت السنّة فى قيامي لرجل كافر بالله تعالى وإن قعدت ولم أقم له كنت مقصرا فى حقّه وملك كبير وضيف وارد ودخيل قاصد و لكنّي آمرك أن تقعد في المرتبة التى فى وسط القبّة فإذا دخل العلج من باب القبّة دخلت أنا له من الباب المقابل له فتقم أنت فتاخذ بيدي وتقعدني على يمينك وتاخذه بيده أيضا فتقعده عن شمالك ثم تكون بعد هذا تترجم بيننا فقعد القائد أبو الجيوش فى وسط القبّة فلما دخلا عليه أقعد الناصر عن اليمين وملك بيونة عن الشمال ثم قال له هذا أمير المومنين فسلّم عليه ثم تكلّما ما يجب و تحدّنا مليا ثم ركب أمير المومنين وركب ملك بيونة متأخر عنه قليلا وركب الموحدون وجيوش المجاهدين وحشر الناس ضحى وصنع أهل إشبيلية بروزا عظيما وكان من الأيام المشهورة فدخل الناصر إشبيلية وملك بيونة على أثره قريبا منه فأنزله بداخل المدينة وأعطاه تحفا جليلة وصالحه صلحا موبدا ما دامت دولة الموحدين ولعقبه ثم صرفه إلى بلاده مكرما مسعفا بجميع مطالبه وخرج الناصر فى أثره قاصدا لغزو بلاد قشتيلة وذلك فى أوّل يوم من صفر سنة ثمان وستّ مائة فسار حتى نزل حصن سريطوة وهو حصن عظيم على رأس جبل عال قد تعلّق بعنان السماء ليس له مسلك إلا طريق واحد فى أوعار ومضائق و نزل عليه وأدار به الجيوش وأخذ في قتاله ونصب عليه أربعين منجنيقا فهتك أرياضه ولم يقدر منه على شاء، و كان وزيره ابو سعيد بن جامع لم يكن شريفا النسب في الموحدين فلما ولى حجابة الناصر و وزارته أخذ يقهر أعيان الموحدين و يهين الأشراف منهم حتى فرّ من بساط الناصر كثير من الأشياخ الذين قام الأمر بهم