و ستّ مائة فلما تكاملت المجاهدون بالجواز جاز هو فى أثرهم فنزل بساحل طريف و ذلك فى يوم الإثنين الخامس والعشرين لذي قعدة المذكور فتلقاه هنالك جميع قواد الأندلس وفقهاؤها وصلحاؤها فسلّموا عليه وأقام بطريف ثلاثة أيام وارتحل إلى إشبيلية فى جيوش لا تحصى وأمم كالجراد المنتشر قد ملات السهل والوعر وضاق بهم المتسع والنجد والغور فأدرك الناصر الإعجاب بما رءا من كثرة جنوده فقسم الناس على خمس فرق فجعل العرب فرقة وزناتة والمصامدة وغمارة وسائر أصناف قبائل بلاد المغرب فرقة والمطوعة فرقة و كانوا مائة و ستّين الفا بين فارس و راجل و قواد الأندلس و حشودها فرقة والموحدون فرقة وأمر كلّ فرقة تنزل ناحية، فوصل الخبر إلى إشبيلية فى السابع عشر من ذي حجّة عام سبعة المذكور فأقام بها واهتزت جميع بلاد الروم بجوازه ووقع خوفه فى قلوب ملوكهم وأخذ فى تحصين بلادهم وإخلا ما قرب من المسلمين من قراهم وحصونهم وكتب إليه أكثر أمرائهم يسلونه سلامته ويطلبون منه عفوه و جاءه منهم ملك بيونة مستسلما خاضعا مستصغرا يطلب صلحه و يسئل منه عفوه وصفحه، ولما سمع هذا اللعين بدخول أمير المومنين إلى إشبيلية أدركه الخوف فبادر إلى المدارات عن نفسه و بلاده فبعث رسوله إليه يستأذنه فى القدوم إليه فأذن له أمير المومنين فى الوصول و كتب إلى كلّ بلد من بلاد الأندلس هو على طريق هذا اللعين إذا مرّ بهم يضيفونه ثلاثة أيام فإذا عزم على الرحيل فى اليوم الرابع يحبسون عندهم من جيشه ألف فارس فخرج هذا اللعين من قاعدة ملكه بجيوشه قاصدا وداخلا إلى أمير المومنين فكان إذا وصل إلى بلد من بلاد المسلمين تلقاه قوادها و أجنادها و برز عليه أهلها فى أكمل عدّة وأحسن هيئة وأضافوه ثلاثة أيام خير ضيافة فإذا كان يوم رحيله حبسوا له ألف فارس من جيشه فلم يزالوا يفعلون ذلك به حتى وصل مدينة قرمونة و لم يبق معه من جيشه غير ألف فارس فأقام فى ضيافة أهلها ثلاثة أيام فلما أراد الرحيل فى الرابع حبست الألف الفارس الباقية معه فقال لقوادها كيف تمسكون بها وما بقي لى مع من أسير غيرها فقالوا له تسير فى ذمّة أمير المومنين و تحت ظلال سيوفه فخرج لعنه الله من قرمونة فى خاصّته و زوجته وخدامه و هديته التى قدم بها إلى الناصر وقدم بين يديه كتاب النبىّ صلّى الله عليه و سلّم الذى كان كتبه إلى هرقل ملك الروم يستشفع به ويعلمه أن الملك عنده موروثا كابرا عن كابر وكان هذا الكتاب عندهم يتوارثونه محفوظا مطيئا فى حلة خضرا فى وسط
صفحة:الأنيس المطرب بروض القرطاس (1917).pdf/156
المظهر