بن علي، لقبه الناصر لدين الله، نقش خاتمه على الله توكّلت و هو حسبي ونعم الوكيل، علامته فى الأوامر الحمد لله وحده، صفته أبيض تامّ القدّ نحيل الجسم مليح العينين أدعج وافر اللحية كبير الهمّة غليط الحواجب لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد معجب برأيه مستبدّ في أموره وتدبير مملكته بنفسه، وزراؤه ابن الشهيد وابن مثنى حاجبه وزيره الأكبر أبو سعيد بن جامع استبدّ بالوزارة والحجابة وبويع الناصر فى حياة أبيه و تجدّدت له البيعة بعد وفاته وذلك يوم الجمعة صبيحة الليلة التى توفّى فيها أبوه و أخذت له البيعة فى جميع أقطار طاعة الموحدين و خطب له و دعى على المنابر فأقام بحضرة مرّاكش بقية شهر ربيع الأوّل و ربيع الثانى و خرج فى أوّل جمادى الأولى من سنة خمس وتسعين المذكورة قاصدا إلى مدينة فاس فوصلها وأقام بها إلى آخر خمس المذكورة فخرج منها إلى جبال غمارة فغزا بها علودان الغماري الثائر بها و رجع إلى مدينة فاس فأقام بها وبنا قصبتها وأسوارها التى كان خرب جدّه عبد المومن حين دخلها ولم يزل قائما بها إلى سنة ثمان وتسعين ووردت عليه الأخبار من إفريقية انّ المايورقي قد غلب على كثير من بلادها فخرج الناصر من مدينة مرّاكش قاصدا إلى إفريقية فوصل إلى جزائر بني مزغنة فأخذ فى تجهيز الأساطيل والعساكر لقتال مدينة ميورقة حتى فتحها و أنزعها من يد المرابطين و كان فتحها فى ربيع الأوّل من سنة ستّ مائة ووصل أهلها إلى أمير المومنين الناصر فسلّموا عليه وبايعوه فعفا عنهم ووصلهم على قدر طبقاتهم وتكلّم إليهم الجميل وقدم على قضاء ميورقة الإمام المحدّث عبد الله بن حوط و ارتحل الناصر فى بلاد أفريقية يطوف على جميع أقطارها ويتفقّد أحوال أهلها و فرّ المايورقي أمامه حتى دخل الصحرا و ارتحل إلى المهدية وقد طاع له جميع من قد خرج عليه بافريقية دون قتال إلا المهدية وحدها فإن وليها إمتنع فيها وكان قد ولاه إياها يحيى المايورقي حين غلب عليها و كان هذا الوالي حاجّا شهما عالما بوجوه الحرب ومكائده فنزل عليه الناصر بظاهر المهدية و حاصره بها برّا و بحرا و نصب عليه المجانيق و الرعادات و كانت قبائل الموحدين وجنود المغرب يتناولون قتالها مع ساعات الليل والنهار فأظهر هذا الحاجّ المذكور بها مكائد الحرب وخدعه ما يقصر عنه الوصف فحاصره الناصر مدّة طويلة وأشهر أعديدة و كان الموحدون يسمونه الحاجّ الكافر ونصب عليه الناصر منجنيقا كبيرا لم يعلم مثله عظما يرمى مائة ربع فهدم البلد به فوقع الحجر من المنجنيق فى وسط دفّة باب المهدية فأطوى وسطه والدفّة
صفحة:الأنيس المطرب بروض القرطاس (1917).pdf/154
المظهر